المقالات

غرور القرار وقِصَر ذاكرة السُّلطة

بعض ما يُورَّث يستحق الهدم. هذا صحيح، وقول غيره مكابرة. ثمة ما تقادم، وما بقي سنواتٍ لأن أحداً لم يجرؤ على سؤاله، ومن يهدمه يُحسن صنعاً. لكن الخطأ في غير هذا: أن تهدم قبل أن تفهم. أن تزيح القديم لأنه قديم، فيفوتك أنه كان يحمل تحت ركامه درساً دفعت المؤسسة ثمنه مرة. تهدمه، فتدفعه ثانية. وليس كل قرارٍ حاسمٍ وليد بصيرة، فبعض القرارات تخرج إلى الوجود مدفوعةً برغبةٍ خفية في إثبات الحضور أكثر من رغبتها في صناعة الأثر. وحين تتكئ السلطة على مقعدها للمرة الأولى، كثيراً ما يراودها وهمٌ قديم؛ أن التاريخ يبدأ من لحظة وصولها، وأن ما سبقها لا يعدو كونه إرثاً قابلاً للإزاحة أو الت جاهل. عندها يتحول التغيير من وسيلة إلى غاية، ويصبح الاختلاف عن السابق إنجازاً قائماً بذاته، ولو كان الطريق المهدور هو الطريق الصحيح. وللسُّلطة ذاكرة انتقائية. تستحضر ما أنجزته بوضوح، وتغفل ما ورثته من جهود الآخرين. تنسب الثمار إلى الحاضر، وتُلقي بأعباء التعثر على الماضي. ومع مرور الوقت تتسع المسافة بين الرواية التي ترويها السلطة عن نفسها، والحقيقة التي تحفظها الوقائع في صمتها الطويل. أما المؤسسات فلا تُدار بالعواطف العابرة، ولا تتشكل وفق أمزجة الأفراد. فالمؤسسة الرشيدة تعرف أن البناء الحقيقي فعلٌ تراكمي، وأن الإنجازات الكبرى لا تنشأ من قرار منفرد، وإنما من حلقات متصلة من العمل والمعرفة والخبرة. وكل حلقة تُنتزع من هذا السلسال تُضعف ما بعدها، مهما بدا أثرها محدوداً في حينه. وليست الأصول كلها ما يظهر في القوائم المالية. هناك ثروة أخرى أكثر قيمة وأشد هشاشة؛ معرفة تر اكمت، وخبرات نضجت، وفرق تعلمت، ومسارات جُرّبت، ودروس دُفع ثمنها من الوقت والجهد حتى لا يُدفع مرة أخرى. وحين يُستهان بهذا الرصيد تحت لافتة التغيير، تدخل المؤسسة في أكثر أشكال الهدر استنزافاً؛ أن تعود لتتعلم ما كانت قد تعلمته بالفعل. فالزمن لا ينسى ما تنساه الإدارة. ومن غرائب الإدارة أن بعض القيادات تهدم ما ورثته استعجالاً، ثم تمضي سنوات لاحقة في محاولة استعادة ما هدمته. وبين الهدم والاستدراك تدفع المؤسسة الفاتورة كاملة؛ زمناً ضائعاً، وموارد مستنزفة، وخبرات متفرقة، وثقة تتآكل بصمت. غير أن السلطة، مهما اتسعت صلاحياتها، تعجز عن بسط نفوذها على الزمن. وما يتوقف في محضر الاجتماع لا يتوقف في حساب الزمن. تستطيع أن توقف مشروعاً، وأن تبدل الأولويات، وأن تعيد توزيع الأدوار، وأن تنقل الكفاءات من مواقعها. لكنها لا تستطيع أن تأمر الزمن بالتوقف معها. فالسنوات تمضي، والفرص تمضي معها، والفجوات تتسع في الخفاء، حتى يأتي يوم تُكتشف فيه الكلفة الحقيقية لما جرى تأجيله أو تعطيله. وهنا تتجلى إحدى أقسى المفارقات الإدارية. فالقرار الخاطئ لا يكشف أثره ساعة صدوره، بل بعد أن يبتعد ع نه صاحبه بمسافة كافية. وقد يرحل صاحب القرار، أو يترقى، أو يبقى في موقعه، بينما تواصل المؤسسة دفع ثمن ما تقرر في لحظة عابرة. وعندما يحين موعد المساءلة، يجد آخرون أنفسهم مطالبين بتفسير نتائج لم يصنعوها، ومعالجة فجوات بدأت قبل أعوام. ولعل أكثر ما تخطئ السلطة في تقديره أنها تظن أن القرار قادر على إعادة تشكيل الواقع وفق ما تشتهي. والحقيقة أن هناك شريكاً خفياً في كل قرار لا يمكن تجاهله أو التحايل عليه: الزمن. فالزمن لا يجادل، ولا يحتج، ولا يرفع مذكرات اعتراض. يكتفي بتسجيل النتائج. وما يُهمل اليوم يعود غداً على هيئة فجوة، وما يُعطل هذا العام يظهر بعد أعوام على هيئة تأخر، وما يُهدر من تراكم يتحول إلى سنوات إضافية من العمل لاستعادته. لذلك كثيراً ما يربح القرار معركته الأولى، ثم يخسرها أمام الزمن. وأخطر ما تواجهه المؤسسات ليس التعثر، فالتعثر جزء من طبيعة العمل البشري. المشكلة ليست في العودة إلى نقطة البداية، فكل مؤسسة قد تتعثر. المشكلة أن يحدث ذلك باسم التقدم. عندها تتحول الحركة إلى بديل عن الإنجاز، وتغدو التقارير بديلاً عن الأثر، ويُستهلك الجهد في استعادة ما كان متاحاً بالأمس. فالمؤسسات لا تنهكها ندرة الموارد بقدر ما ينهكها تكرار البدايات. ولا تستنزفها قلة الأفكار بقدر ما يستنزفها الانقطاع عن التراكم. وكل بداية تُفرض على أنقاض ما اكتمل سابقاً ليست انطلاقة جديدة، وإنما فاتورة مؤجلة لقرار قديم. وفي لحظة صدق نادرة، قد تكتشف المؤسسة أن أكبر خصومها لم يكن نقص التمويل، ولا تعقيد الإجراءات، ولا مقاومة التغيير. كان الاستخفاف بالتراكم. وكان غرور القرار. وكان قِصَر ذاكرة السُّلطة. فالس لطة قد تملك حق اتخاذ القرار، لكنها لا تملك حق التفاوض مع الزمن.

عواطف محمد الشليح

مستشارة في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والحوكمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى