“خلف الخطوط”
المذكرة الأمريكية الإيرانية أو (مذكرة تفاهم إسلام آباد بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية) التي تتداولها وسائل الإعلام، بصيغتها المتداولة المكونة من (14) بنداً، تبدو في جوهرها صفقة مقايضة استراتيجية أكثر من كونها انحيازاً كاملاً لطرف واحد. فإيران ستحصل على متنفس اقتصادي وسياسي ملحوظ عبر رفع الحصار البحري، وإتاحة صادرات النفط، وتحرير الأصول المجمدة، وضمان عدم فرض عقوبات جديدة، لكنها في المقابل تدفع ثمناً كبيراً في ملفي البرنامج النووي والملاحة الإقليمية، خاصة عبر التنازلات المرتبطة بمضيق هرمز. وحتى المكسب الاقتصادي الكبير المعلق بحزمة إعادة الإعمار بقيمة (300) مليار دولار، يبقى مشروطاً بآلية التنفيذ والضمانات، وهو ما يفرض شكوكاً داخلية في إيران.
الاختبار الحقيقي لا يكمن في بنود المذكرة نفسها، بل في آلية التنفيذ، فالتسلسل الزمني، والضمانات الملموسة، وهل ستُرفع القيود قبل أن تبدأ إيران بالتنازلات؟ أم يتم اجبار إيران على تقديم تنازلات فورية قبل حسم المكاسب؟ وهذا هو جوهر التساؤلات داخل إيران، حيث يتصاعد الجدل بين البرلمانيين والمحتجين في إيران، وبين فريق التفاوض والحكومة، حول مصالح البلاد وتنازلاتها المحتملة. والمتشككون يرون أن إيران قد تبدو في موقع ضعف إذا قدّمت تنازلات مبكرة دون تثبيت المكاسب المقابلة.
وسأذهب بشكل مباشر لما يهم دول الخليج العربي، فالاتفاق يصطدم بثلاثة ملفات حساسة ومترابطة:
1. ملاحة هرمز والإدارة المستقبلية للمضيق. كما جاء في البند الخامس والذي ينص على (ضمان إيران حرية الملاحة للسفن التجارية عبر مضيق هرمز دون رسوم لمدة 60 يوماً، ثم بدء حوار مع سلطنة عُمان ودول الخليج بشأن الإدارة المستقبلية للمضيق) , وهذا البند يضع الخليج في قلب المعركة، لأنه يفتح باباً لإعادة صياغة إدارة المضيق، وهو ما قد يغير قواعد اللعبة الإقليمية. فإلى متى ستبقى الملاحة بدون رسوم؟ وما هي آلية الإدارة المستقبلية؟ وهل سيتم تضمين المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر كجهات فاعلة في القرار؟ وجميع هذه الأسئلة تثير شكوكاً في دول الخليج، لأنها قد تؤدي إلى مشاركة إيران في صياغة قواعد الملاحة التي كانت تاريخياً في يد القوى الغربية.
2. رفع الحصار البحري وضمانات السيادة. وكما جاء في البند الرابع (يطلب رفع الحصار البحري الأمريكي على إيران خلال 30 يوماً)، بينما البند الثاني يكرس احترام سيادة الولايات المتحدة وإيران. وهو ما يعني أن إيران ستحصل على ضمان سيادي كامل مقابل رفع الحصار، وهو ما قد يقلص قدرة الولايات المتحدة على استخدام الحصار البحري كأداة ضغط مستقبلاً، وبالنسبة لدول الخليج العربي، فهو يفتح باباً لـتقليل نفوذ الولايات المتحدة في الساحة البحرية، وهو ما قد يهدد أمن الملاحة في الخليج العربي وشماله.
3. البرنامج النووي والضمانات الإقليمية. وما جاء في البند الثامن يؤكد مجدداً موقف إيران بعدم سعيها للسلاح النووي، والبند 9 يحافظ على الوضع الراهن للبرنامج النووي مع امتناع واشنطن عن فرض عقوبات جديدة أو نشر قوات إضافية في المنطقة. وهو ما يعني أن إيران تتخلى عملياً عن السعي للسلاح النووي، لكنها تحتفظ بإمكانية تخصيب يورانيوم ضمن حدود معينة. وبالنسبة لدول الخليج العربي، فهذا يخلق توازن نووي متفجر في المنطقة، حيث قد تستمر إيران في تطوير قدراتها النووية ضمن حدود، بينما تظل قدرات الدول الخليجية النووية في طور التشكل دون ضمانات واضحة.
ويبقى السؤال الأهم.. هل يصب هذا الاتفاق في صالح دول الخليج العربي؟
الإجابة من وجهة نظر شخصية ليس في صالح دول الخليج العربي بشكل كامل. فبعض البنود تقدم مكاسب إقليمية لإيران، مثل رفع الحصار البحري، وتحرير الأصول، وضمان عدم فرض عقوبات جديدة. لكن في المقابل، البنود المتعلقة بالملاحة في مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والتنازلات الأولية، تجعل الاتفاق أقرب إلى رفع كلفة المواجهة على إيران مقابل وعود اقتصادية مشروطة. وهذا يعني أن دول الخليج قد تجد نفسها في حالة انتظار مشوب بالشك.. فهل تُرفع القيود أولاً؟ أم تُجبر إيران على تقديم التنازلات أولاً؟
بالنسبة لدول الخليج العربي، فإن الخطر الأكبر هو أن الاتفاق قد يُضعف نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، بينما يمنح إيران ضمانات سيادية ومكاسب اقتصادية دون أن يضمن لها مكاسب إقليمية ملموسة. ولذلك فقد يصبح الاتفاق مصيدة إقليمية تترك الخليج في حالة من الانتظار المشوب بالشك، بينما تتصاعد المخاوف من أن إيران قد تبدأ في فرض نفوذها في مضيق هرمز، وفي الملف النووي، دون ضوابط واضحة.
ختاماً..
البنود الأربعة عشر ليست في صالح إيران بالكامل، وليست في صالح الخليج بشكل كامل. ولكنها صفقة مقايضة تتطلب ضمانات تنفيذية قوية، وتسلسل زمني واضح، وآلية مشتركة للإشراف. وبدون هذه العناصر، قد يصبح الاتفاق مصدر خطر على استقرار الخليج، وليس مصدر أمان.






