المقالات

التبعية الواعية والتبعية الزائفة

في زمنٍ تتسارع فيه الأفكار كما تتسابق الصور، وتتناقل فيه الأجيال المؤثرات قبل القناعات، برزت الحاجة إلى التمييز بين نوعين من التبعية: تبعيةٍ واعيةٍ تُبنى على البصيرة والعلم، وتبعيةٍ زائفةٍ تقوم على التقليد والانبهار.

فالتبعية في أصل معناها ليست مذمومة على إطلاقها، إذ لا يستغني الإنسان عن مرجعيةٍ يهتدي بها، ولا عن قدوةٍ يستضيء بنورها ، وإنما تكون التبعية محمودة حين تتجه إلى منابع الحق، فتكون متابعةً للكتاب والسنة، واقتداءً بالعلماء الربانيين الذين ورثوا العلم وحملوا الأمانة، فجمعوا بين الفقه والحكمة، وبين العلم والعمل.

تلك هي التبعية الواعية التي تحفظ للعقل مكانته، وتمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الحق والباطل، فلا يكون تابعًا للأشخاص بقدر ما يكون تابعًا للحق الذي يحملونه.

أما التبعية الزائفة، فهي أن يُسلِّم المرء عقله للموضات الفكرية العابرة، أو ينساق خلف الشعارات البراقة دون تمحيص أو نظر ، وهي صورة من صور التقليد الأعمى الذي وقع فيه بعض الشباب حين ظنوا أن الحضارة تُقاس بالمظاهر، وأن التقدم يعني التخلي عن القيم والثوابت، فاستبدلوا الاعتزاز بالهوية بالانبهار بالآخر، وأخذوا من الحضارات قشورها وتركوا جوهرها.

إن الحضارات الحقيقية لا تُبنى بالتقليد، بل بالوعي والثقة بالنفس ، والأمم القوية لا تفقد شخصيتها وهي تنفتح على العالم، بل تزداد رسوخًا في هويتها كلما ازدادت قدرةً على التفاعل مع الآخرين ، ومن هنا كان الواجب على أبناء هذا الوطن أن يتمسكوا بدينهم وقيمهم، وأن يستلهموا من تاريخهم المجيد ما يعزز انتماءهم وولاءهم، وأن يسهموا في بناء وطنهم بالعلم والعمل والإبداع، لا بالتبعية والانسياق.
إن الوطن لا يحتاج إلى أجيالٍ مبهورة بما عند غيرها، بقدر حاجته إلى أجيالٍ واثقةٍ بدينها، معتزةٍ بهويتها، منفتحةٍ على العالم بعقلٍ ناقد وقلبٍ ثابت.

فالتبعية الواعية تصنع رجالًا يحملون الرسالة، أما التبعية الزائفة فلا تصنع إلا ظلالًا باهتةً لغيرهم.

وبين هذين الطريقين يبقى الخيار مسؤولية كل فرد: أن يكون تابعًا للحق عن بصيرة، أو تابعًا للوهم عن غفلة. والفرق بينهما هو الفرق بين أمةٍ تبني مستقبلها بثقة، وأخرى تذوب في غيرها حتى تفقد ذاتها.

د. فايز الأحمري

كاتب صحافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى