
المهنة في جوهرها تتجاوز كونها عقدًا وظيفيًا أو مصدرًا للدخل، فهي في حقيقتها “نحّات خفي” يعيد تشكيل الإنسان من حيث لا يشعر. لا تكتفي بأن تمنحه خبرةً أو مهارة، بل تعيد ترتيب طريقة تفكيره، ومنهجه في الحكم، وأسلوبه في التعامل مع الناس، حتى يغدو مع مرور الأعوام يرى العالم من خلال العدسة التي صاغتها مهنته.. ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن هذا التحول يحدث بصمت؛ فلا ينتبه صاحبه إلى أن المهنة لم تعد شيئًا يمارسه، بل أصبحت جزءًا من تكوينه. ولهذا كثيرًا ما نُخطئ في تفسير بعض الطباع، فنحسبها تكلفًا أو تعاليًا أو جفاءً، بينما هي في حقيقتها أثرٌ تركته سنوات الممارسة. فالمعلم، لكثرة ما اعتاد التقويم والإرشاد، تمتد معه لغة التوجيه إلى خارج الفصل دون قصد. والطبيب، الذي عاش بين القرارات المصيرية، يعتاد تغليب العقل على الانفعال، فيبدو أكثر صلابة مما هو عليه في داخله. والمهندس، الذي نشأ بين القياسات الدقيقة، يصبح النظام عنده ضرورةً لا ترفًا، حتى في تفاصيل حياته اليومية. وعلى مستوى الإدارات، لا تختلف الصورة كثيرًا. فأصحاب الإعلام والاتصال المؤسسي يعيشون بين الرسائل والانطباعات والصورة الذهنية، حتى تصبح ملاحظة التفاصيل، وقراءة ما بين السطور، وصناعة الأثر، جزءًا من طريقتهم في التفكير قبل أن تكون جزءًا من عملهم. وأصحاب الموارد البشرية يعتادون قراءة الشخصيات، والبحث عن الدوافع قبل إصدار الأحكام، بينما يميل القانونيون إلى وزن الأقوال وربط كل رأيٍ بدليله. أما إدارة الاستثمار، فلها قالبٌ مختلف. فهي لا تسمح للقرار أن يولد من الانفعال، ولا تعترف بالأمنيات ما لم تؤيدها الحقائق. ومع الأيام، يصبح ممارسها شديد الولع بالدقة، يقيس الجدوى قبل الخطوة، ويوازن بين العائد والمخاطرة، ويبحث عن فرص النمو، ويحرس المكتسبات بعينٍ لا تغفل، ويتعامل مع بوادر الانكماش بوصفها إنذارًا يستوجب المعالجة. أما الانسحاب، فلا يراه خيارًا اعتياديًا، بل آخر الحلول بعد استنفاد كل وسائل الإنقاذ. وهكذا تفعل المهن بأصحابها؛ فهي لا تمنحهم الخبرة فحسب، بل تفرض عليهم قالبًا فكريًا يتسلل، مع امتداد الأعوام، إلى شخصياتهم، حتى تصبح طريقة عملهم هي ذاتها طريقتهم في النظر إلى الحياة.. لذلك، التمس العذر لمن صاغته مهنته؛ فبعض الطباع لا تصنعها الأمزجة، وإنما تنحتها الأعوام. وأدِّ عملك بأعلى درجات الأمانة؛ لأنك مؤتمنٌ عليه، لكن احرس جوهرك من أن تبتلعه مهنتك. فإذا انتهى يوم العمل، فاترك عند بابه ما يخصه، وعد إلى أهلك وأحبابك بقلب الإنسان، لا بقالب الوظيفة؛ فلهم عليك حقٌ أن يجدوك كما عرفوك، لا كما شكّلتك المهنة..



