البطاقات

التمويل بين الحاجة وحسن الإختيار

يشهد العالم اليوم توسعًا ملحوظًا في الإعلانات التي تروج للتمويل والقروض النقدية، سواء للأفراد أو للمؤسسات، مستخدمة عبارات تسويقية جذابة من قبيل: “تمويل سريع”، “سيولة فورية”، “سداد المديونيات”، “إجراءات ميسرة”، “موافقة خلال دقائق”، وهي رسائل قد تبدو للكثيرين طوق نجاة للخروج من أزمة مالية طارئة، لكنها في بعض الحالات قد تكون بداية لأزمة أكبر إذا لم تُدرس بعناية.ولا يعني هذا التشكيك في جميع الجهات التمويلية، فهناك فعلا مؤسسات مرخصة تعمل وفق الأنظمة واللوائح، وتقدم خدمات تمويلية يحتاج إليها الأفراد والمنشآت، إلا أن المشكلة تبدأ عندما يندفع طالب التمويل بدافع الحاجة أو ضغط الديون، دون أن يقرأ بنود العقد، أو يقارن بين الخيارات، أو يحسب التكلفة الحقيقية للتمويل، فيتحول الدين الصغير إلى التزام مالي أكبر وأطول أمداً.وتؤكد الدراسات الدولية في هذا السياق أن ضعف الثقافة المالية يعد من أهم الأسباب التي تؤدي إلى سوء القرارات المتعلقة بالاقتراض. فقد أظهرت تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن انخفاض الوعي المالي وارتفاع مستويات الديون من أبرز المخاطر التي تواجه المستهلكين، وأن كثيرًا من المقترضين لا يقارنون بين المنتجات التمويلية ولا يستعينون بمصادر مستقلة قبل التوقيع على العقود. كما حذرت المنظمة من أن تعقيد بعض المنتجات المالية قد يخفي تكاليف أو التزامات لا ينتبه إليها العميل إلا بعد إبرام العقد. كما تشير أبحاث المنظمة إلى أن ضعف الثقافة المالية يجعل بعض المستهلكين أكثر عرضة للاستدانة بتكاليف مرتفعة، والتعثر في السداد، وتكرار الاقتراض لتغطية التزامات سابقة، وهو ما قد يضعهم في دوامة يصعب الخروج منها.

ومن خلال متابعة تجارب كثير من رجال الأعمال وأصحاب الخبرة، يتكرر تأكيد مبدأ اقتصادي بسيط: الاقتراض ليس مشكلة في حد ذاته، وإنما المشكلة في الاقتراض دون خطة واضحة للسداد، أو استخدام الدين في الاستهلاك بدلاً من الاستثمار أو الحاجة الضرورية. فالتمويل وسيلة قد تكون نافعة إذا أُحسن استخدامها، لكنها قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا أسيء تقديرها. ومن هنا، فإن من الحكمة ألا تجعل الإعلان التجاري مستشارك المالي، ولا تستعجل التوقيع تحت ضغط الحاجة، بل قارن بين العروض، واقرأ جميع الشروط، واسأل عن الرسوم والتكاليف الفعلية، وتحقق من ترخيص الجهة الممولة، واستشر المختصين قبل اتخاذ أي قرار مالي مصيري. وقد علمتنا التجارب أن كثيرًا من الأزمات المالية لم تبدأ بسبب قلة الدخل، بل بسبب قرار مالي متسرع اتُّخذ في لحظة ضيق. ولهذا فإن التروي، وطلب المشورة، وبالذات القانونية، ورفع مستوى الثقافة المالية، تعد من أهم وسائل حماية الإنسان وأسرته من الوقوع في دوامة الديون.إن الحاجة إلى السيولة قد تكون مؤقتة، أما آثار القرار المالي غير المدروس فقد تمتد سنوات طويلة. ولذلك فإن أعظم استثمار يسبق أي قرض هو استثمار الإنسان في وعيه المالي، فالعقل المتأني يحمي صاحبه من الوقوع في التزامات قد تبدو في بدايتها مخرجًا، لكنها تنتهي إلى مأزق أكبر.

د. تركي بن فهد العيار

أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى