كتاب الرأي

الذكاء الاصطناعي في التعليم: قوة تُسرّع العمل أم اختبار لإنسانيتنا؟

في عام 2026، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة إضافية في بيئة العمل أو التعليم؛ بل أصبح حاضرًا في تفاصيل يومنا: ترتيب المهام، تسريع الإنجاز، صياغة الرسائل، تحسين الكتابة، وإنتاج المحتوى.

وهذا التحول يحمل فرصة كبيرة، لكنه يفتح أمامي سؤالًا لا أتوقف عن التفكير فيه: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدرتنا على التفكير والإبداع، أم نسمح له بأن يدفعنا إلى إيقاع عملٍ بلا توقف؟

سرعة الإنجاز قد تبدو كأنها قوة خارقة. لكن عندما يصبح إنجاز مهام كثيرة في وقت قصير ممكنًا بضغطة زر، تظهر مخاوف حقيقية: هوس الإنتاجية، الاعتماد المفرط على الآلة، وتراجع المساحة التي نحتاجها للتفكير الإنساني والحكم المهني.
من خلال رحلتي الحالية في زمالة تطبيقات الذكاء الصناعي من مركز تطوير التعليم الجامعي بجامعة الملك عبدالعزيز، وبالإستناد إلى عملي الأكاديمي وخبرتي الإدارية السابقة، أرى أن دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم لا يعني فقط استخدام أدوات أسرع، بل يتطلب إعادة التفكير في طريقة تصميم التعلم نفسه.
بدلًا من النماذج التقليدية التي تركز على نقل المعلومات، نحتاج إلى تعلم بنّاء قائم على التطبيق والمشاريع، يضع الطالب في مركز العملية التعليمية ويقيس قدرته على التحليل، واتخاذ القرار، وبناء الحلول. وفي الوقت نفسه، لا يخلو هذا الدمج من تحديات حقيقية، أبرزها :

• النزاهة الأكاديمية، والغش، أو الاعتماد غير المُعلن على أدوات الذكاء الاصطناعي.
• العدالة والتحيز المحتمل في مخرجات الأنظمة الذكية.
• الخصوصية وحماية البيانات التي ندخلها في المنصات والأدوات الرقمية.
• سطحية بعض المعلومات أو عدم دقتها، مهما بدت صياغتها مقنعة وواثقة.
لهذا، يصبح الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي ضرورة وليس خيارًا. فمبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي طرحتها الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» تؤكد أهمية العدالة والشفافية والمساءلة والمسؤولية عند تطوير الأنظمة الذكية واستخدامها. وهذه المبادئ تنقلنا من سؤال: «هل يمكننا استخدام هذه الأداة؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «كيف نستخدمها بصورة عادلة وآمنة ومسؤولة؟
وفي البيئة التعليمية، أؤمن بأن البداية يجب أن تكون باتفاق واضح بين المعلم والطالب حول الاستخدام المقبول وغير المقبول للذكاء الاصطناعي. فمثلًا، يمكن أن يكون استخدامه مقبولًا في:
• التدقيق اللغوي وتحسين وضوح الصياغة.
• العصف الذهني وتنظيم الأفكار الأولية
• إستكشاف مسارات محتملة لمشروع التخرج، مع التحقق من المصادر وصياغة العمل بصورة أصيلة.

بينما لا ينبغي أن يحل محل الطالب في:
• أداء الاختبارات.
• كتابة الواجبات أو البحوث دون فهم أو مساهمة حقيقية.
• تقديم مخرجات مولدة على أنها عمل شخصي من دون الإفصاح عن استخدام الأداة.
ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يدعم المعلم أيضًا في تصميم محتوى أكثر مواءمة لمخرجات التعلم، وتحليل بيانات التقويم وجودة الأسئلة، وتطوير بنوك الاختبارات وفق الأدلة، وأتمتة بعض الإجراءات المتكررة. إلا أن دوره يجب أن يبقى داعمًا للحكم البشري، لا بديلًا عنه؛ خصوصًا في التقويمات التي تحتاج فهمًا للسياق، أو في القرارات التي تمس الطلبة وحقوقهم واحتياجاتهم.
وتنسجم هذه الرؤية مع دليل وسياسات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي بجامعة الملك عبدالعزيز، الذي يضع إطارًا للاستخدام المسؤول والأخلاقي داخل البيئة الأكاديمية والبحثية.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية. إنه اختبار لطريقة عملنا، وطريقة تعلمنا، والقيم التي نختار أن نحميها ونحن نتقدم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى