المقالات

الإنسان .. بوصفه السؤال الأخير

هكذا هُم رفاق المهنة وشركاء الحرف لا يَنون ولا يتوانون أبدًا عن حَفْزِك وملاحقتك للكتابة، فهم يعون – أكثر من غيرهم- ماذا تعني الكتابة للكاتب، وما أثرها النفسي والشخصي عليه. وهذا ما حدث معي من قبل الصديق رئيس التحرير الأستاذ عبدالله الزهراني، هذا الكاتب والصحفي المهجوس بالإبداع، والحاضر بقوة في مشهدنا الصحفي عَبْر صحيفته الناهضة المنطلقة بروح وثّابة مكسونة بالفرادة والتميز، وما نجحت فيه من مبادرات وبرامج وما حصدته من جوائز وحضور يؤكّّد هذا المسعى المهني اللافت.

كُنتُ قد غادَرْتُ العمل الصحفي قبل أشهر، وغادرتُ معه إيقاع المهنة اليومي، لا ملالة، ولا ضجراً، ولا استنكافا، ولكنها هدنة منحتها لنفسي من المقال والكتابة عمومًا. ومع ذلك أزعم بأني بقيتُ حاضرًا عبر منصّات التواصل الاجتماعي، ذلك الفضاء الرحب الذي منحني شيئًا من التحرر من إيقاع المقال الصحفي ومتطلباته، كما أنه أتاح لي، ولأفكاري أن تولد بعفوية أكبر، وأكثر طلاقة، وأن تلتقي بالناس مباشرة، بعيدًا عن كثير من القيود المهنية التي يدركها ويعيها، ويعرف تفاصيلها من عاش الصحافة سنواتٍ طويلة.

ومع ذلك أقول باطمئنان جسور: أن تخفُّفي هذا لم يكن يومًا تخفّفًا من مسؤولية الكلمة، ولا من إيماني بأن المعنى هو أغلى وأثمن وأجزل ما تمنحه الكتابة لقارئها، وأن الكلمات لا تقاس بسرعة انتشارها، بل بقدرتها على البقاء.

وحين جاءني اتصال الصديق أخي رئيس التحرير، الأستاذ عبدالله الزهراني، داعيًا إلى العودة إلى المقال الثقافي، لم أجد في الأمر مجرد دعوة للكتابة، بل حُسْن ظن يُحمّل مسؤولية لا يصح التخفف منها. فالكاتب لا يعود لأنه يملك إجابات أكثر، بل لأنه ما زال يؤمن بأن ثمة أسئلة تستحق أن تُطرح، وأن الحوار حولها لا ينبغي أن ينقطع.
ولذلك رأيت أن خير ما أستأنف به هذه العودة ليس الحديث عن الصحافة، ولا عن الكتابة، بل عن الإنسان؛ ذلك الكائن الذي تتسع معارفه كل يوم، بينما يبدو أكثر حاجة من أي وقت مضى إلى ما يمنح تلك المعارف معناها.
نتفق جميعًا في أننا نعيش زمناً متغوّلًا شرسًا، زمن انهارت في الحدود والثقافة الصلبة، وبتنا نعيش اليوم مفهوم “الحداثة السائلة” الذي صاغه عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، وكيف أن العالم انتقل من مجتمع مستقر ومؤسسي “الحداثة الصلبة” إلى واقع معاصر يتسم بالتغير المستمر، وانعدام اليقين، وتفكك الروابط الاجتماعية والهويات. وكيف أنه في هذا العالم، لا شيء يحتفظ بشكله طويلاً؛ وكل شيء – بما في ذلك العلاقات والوظائف- قابل للتبديل.
وتتبدّى خطورة هذا الواقع المتأزّم المأزوم، حين نرى كيف أن التقنية تقدّمت بشكل مذهل ومرعب، لدرجة بات معها الذكاء الاصطناعي يكتب ويرسم ويحلل، وأصبحنا أُسارى خوارزميات تتحكّم في تفكيرنا، وتوجّه خياراتنا، ولا غرو في في ذلك، فقد أثبتت الدارسات الحديثة دور الخوزارميات وعلاقتها باللدونة الدماغية التي بدورها تعطّل آلية التحليل والتأمُّل في الدماغ. ولذا لم يعد السؤال الآن: ما ذا تستطيع الآلة أن تقوم به. وإلى أي مدى تمكن خطورتها؟ ثم ما ذا بقي للإنسان أن يفعله وهو يشاهد العالَم يُعيد تعريف نفسه كل يوم؟

هذا المعنى عاد إليّ بقوة وأنا أشارك قبل أيام في ندوة علمية نظمها مركز الخليج للأبحاث بالشراكة مع مركز عبدالله بن إدريس الثقافي، ناقشت العلوم الإنسانية ودورها في تعزيز القيم وبناء النهضة المجتمعية. ولم تكن قيمة الندوة في موضوعها فحسب، بل في الطريقة التي صيغت بها محاورها. فقد بدأت من سؤال الأزمة قبل الحديث عن الأهمية، وكأنها تقول لنا إن الطريق إلى استعادة هذه العلوم لا يمر عبر الاحتفاء بها، وإنما عبر مساءلة علاقتنا بالمعرفة وبالإنسان معًا.
وقد امتازت الأوراق والمداخلات اللاتي قدمت بالثراء، والجِدّة، والرصانة، وتعاملت مع أزمة العلوم الإنسانية بوصفها ضرورة لفهم الإنسان في عالم يزداد تعقيدًا. وهنا تحديدًا تتجلى القيمة الحقيقية للمراكز البحثية الرصينة؛ فهي لا تكتفي بإنتاج الدراسات، ولا تنشغل برصد الظواهر وحدها، وإنما تشتبك مع الأسئلة الكبرى التي تشغل المجتمعات، وتفتح لها فضاءات للحوار الهادئ، حيث تُختبر الأفكار قبل أن تتحول إلى قناعات، ويُنظر إلى المستقبل بعين الفكر لا بعجلة اللحظة.

الندوة الحوارية التي شهدها مركز الخليج كانت ثرية جداً، ومتعددة الرؤى، وزوايا النظر، لكنها جميعًا اتّفقت على أهمية العلوم الإنسانية، وأنها لا تتضاد أو تتصارع مع العلوم التطبيقية، وإنما كلاهما تحكمهما علاقة تكامل وتشارك لا تنافس، ولكل منهما وظيفته، كما أن الحياة لا تستقيم إلا بتكاملهما. الحديث يطول حول هذه القيمة الحضارية والنهضوية والمعرفية والقيمية للعلوم الإنسانية، وتحتاج لحفر وبحث أعمق، لكن الندوة الحوارية حولها فتحت فضاءات رحبة للتأمل والمدارسة والاقتراب أكثر، وهو ما أجزم بأننا بلادنا برؤيتها العظيمة النائرة والمستبصرة تنطلق من رؤى أعمق، وأرحب، واضعة الإنسان والمجتمع في قلب استراتيجياته، وهو ما تمثّله مرتكزات رؤية السعودية 2030 وهي: وطن طموح، ومجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر.

عبدالله الحسني

أديب.. وكاتب .. ومدير تحرير جريدة الرياض يابقًا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى