
تدخل الشراكات بين المدارس والقطاع غير الربحي مرحلة جديدة مع صدور نظام التعليم العام، الذي منح مساحة تنظيمية أوسع للتعاون مع الجهات المجتمعية، بما يسهم في تطوير البيئة التعليمية، وتنويع البرامج المقدمة للطلاب، وتعزيز الأثر التنموي للتعليم، في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء مجتمع حيوي وتنمية رأس المال البشري.
ويرى خبير القطاع غير الربحي والمشرف التربوي المتقاعد د. عبدالعزيز بن محمد الغامدي أن النظام يمثل تحولًا في النظرة إلى المدرسة، بوصفها شريكًا في التنمية المجتمعية، وليس مؤسسة تعليمية تقتصر مهمتها على تقديم المعرفة، مؤكدًا أن تكامل الأدوار بين القطاعات الثلاثة يفتح المجال أمام مبادرات نوعية أكثر استدامة وأثرًا في حياة الطلاب والمجتمع.
وقال الغامدي إن توجه نظام التعليم العام نحو تعزيز الشراكات مع القطاع غير الربحي يُعد خطوة استراتيجية تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تؤكد تكامل الأدوار بين القطاعين الحكومي وغير الربحي، مشيرًا إلى أن المدرسة أصبحت محورًا للتنمية المجتمعية، بينما يمتلك القطاع غير الربحي المرونة في ابتكار المبادرات، والوصول إلى الفئات المستهدفة، وحشد المتطوعين والموارد لخدمة العملية التعليمية.
وأضاف أن هذه الشراكات تسهم في إثراء البيئة التعليمية ببرامج نوعية تعزز القيم، وتنمي المهارات، وتدعم الصحة النفسية والاجتماعية، وترفع مستوى المشاركة المجتمعية، بما ينعكس على جودة المخرجات التعليمية وبناء شخصية الطالب.
وأوضح أن النظام يفتح المجال أمام تنفيذ برامج متنوعة بالشراكة مع الجمعيات والجهات غير الربحية، من أبرزها تنمية المهارات القيادية وريادة الأعمال والابتكار، والإرشاد المهني والتوجيه لاختيار التخصصات المستقبلية، ومبادرات التطوع الطلابي وخدمة المجتمع، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي، واكتشاف ورعاية الموهوبين، والتوعية الصحية والبيئية والمالية والرقمية، ودعم الطلاب ذوي الإعاقة، وتفعيل الأندية الطلابية والأنشطة اللامنهجية، وتنمية المهارات الحياتية والأسرية، وتعزيز الهوية الوطنية والانتماء.
وأكد أن هذه البرامج تسهم في إعداد طالب يمتلك المعرفة والمهارة والقيم، ويكون أكثر جاهزية للمستقبل، مشيرًا إلى أن نجاحها يرتبط بتكامل الأدوار بين المدرسة والجهات المجتمعية، ومواءمة المبادرات مع الاحتياجات الفعلية للطلاب.
وعن أبرز التحديات، أوضح الغامدي أن التعاون بين المدارس والجمعيات لا يزال يواجه عددًا من المعوقات، من أبرزها ضعف التنسيق المؤسسي، وعدم وضوح الأدوار والمسؤوليات، وغياب مؤشرات قياس الأثر، إلى جانب اقتصار بعض الشراكات على فعاليات موسمية لا تحقق أثرًا مستدامًا.
وأضاف أن تجاوز هذه التحديات يتطلب بناء إطار تنظيمي واضح للشراكات، وتوقيع اتفاقيات تحدد الأهداف والمسؤوليات، ووضع مؤشرات أداء تقيس النتائج، وتخصيص منسقين للشراكات في المدارس والجمعيات، إلى جانب تبادل الخبرات وبناء القدرات، بما يضمن استمرارية البرامج وتحقيق أثر ملموس.
وأشار إلى أن التحول الحقيقي يبدأ بالانتقال من ثقافة تنفيذ الفعاليات إلى ثقافة بناء البرامج طويلة المدى، من خلال ربط الشراكات بالأهداف الاستراتيجية للمدرسة والجمعية، وإعداد خطط سنوية مشتركة، وتخصيص الموارد اللازمة، وتطبيق منهجيات لقياس الأثر ورفع التقارير الدورية، بما يعزز استدامة المبادرات ويحولها إلى منظومة تنموية متكاملة.
وأكد أن إشراك أولياء الأمور، والطلاب، والمتطوعين، والقطاع الخاص في هذه الشراكات يسهم في تعزيز استدامتها، ويحولها إلى قيمة مضافة للمجتمع تتجاوز تنفيذ الأنشطة المؤقتة إلى تحقيق أثر تنموي طويل المدى.
واختتم الغامدي بدعوة الجمعيات والجهات غير الربحية إلى الاستفادة من الفرص التي أتاحها نظام التعليم العام الجديد، والنظر إلى المدارس بوصفها شريكًا استراتيجيًا في صناعة الإنسان، من خلال تصميم برامج نوعية تنطلق من الاحتياجات الفعلية، وقياس أثرها بالنتائج والمؤشرات، بما يسهم في تنمية رأس المال البشري، وتعزيز المسؤولية المجتمعية، ودعم مستهدفات رؤية المملكة 2030.






