يكشف التاريخ أن القوى لا تبدأ بالسقوط عندما تفقد مواقعها بل عندما تفقد البيئة التي
صنعت قوتها.
وحين تتحول القوة
من وسيلة للتمدد إلى عبء على صاحبها تبدأ مرحلة الانحدار.
وفي الحالة الحوثية تتقاطع اليوم عوامل سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وإقليمية
تجعل الميليشيا
أمام اختبار مختلف.
لم يعد الحوثي مجرد طرف في نزاع يمني داخلي فقد تجاوز نشاطه حدود اليمن
إلى تهديد الملاحة والمصالح الدولية.
ومع اتساع الرفض الدولي للميليشيات المرتبطة
بالمشروع الإيراني
تضيق مساحة المناورة وتزداد كلفة استمرار النهج المسلح.
وتزداد الضغوط
مع تراجع هامش
الدعم الخارجي
وتشديد الرقابة
على التمويل والإمداد والتهريب.
كما أن التفوق الجوي والاستطلاع الدقيق يجعلان المواقع العسكرية المكشوفة ومراكز القيادة
ومخازن السلاح أكثر عرضة للاستهداف
في ظل محدودية
القدرة على مواجهة
التفوق الجوي.
ومع اتساع الجبهات تتضاعف كلفة الحرب ويزداد استنزاف الرجال والموارد والقيادات.
لكن العامل الأعمق
يظل المجتمع اليمني الذي تحمل سنوات طويلة من الحرب والفقر والنزوح والمرض وتراجع التعليم والخدمات.
فقد دفعت الأسر أثمانا بشرية ونفسية قاسية وتعرض الأطفال لخطر التجنيد والزج بهم
في الصراع.
ومع امتداد المعاناة تتحول الحرب
إلى ذاكرة جمعية
ويصبح رفض الواقع
أكثر اتساعا.
ومن هنا فإن اللحظة الحاسمة لا تتوقف على الضربات العسكرية وحدها بل على قدرة اليمنيين أنفسهم
على صناعة جبهة
وطنية موحدة.
فلا بد أن تتوحد جميع القوى اليمنية
وأن تضع مصلحة اليمن فوق الأهواء والحسابات والمصالح الضيقة
وأن تلتقي على هدف واحد هو استعادة الدولة وإنهاء هيمنة الميليشيا من دون أجندات خارجية.
كما أن التفاف الحكومة الشرعية مع شعبها وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
يمثلان شرطا أساسيا لتحويل التراجع العسكري للحوثيين
إلى تحول سياسي مستدام.
وتبقى مظاهر الرفض الشعبي والتمرد الداخلي مؤشرات ينبغي قراءتها بحذر لا باعتبارها دليلا منفردا على الانهيار.
فإذا اتسعت الفجوة
بين الميليشيا والمجتمع وتزايدت حالات الرفض والانشقاق وفقدان الثقة فإن ذلك يعني أن السيطرة بالقوة
بدأت تفقد قدرتها
على إنتاج الاستقرار.
وهنا تظهر سنة تاريخية واضحة فالقوة المسلحة قد تفرض سيطرتها
على الأرض زمنا لكنها
لا تستطيع إخضاع المجتمع إلى الأبد. فالجوع لا يصنع شرعية والخوف لا يبني دولة والسلاح لا يستطيع
أن يحل محل المستقبل.
إن إضعاف الحوثي
يحتاج إلى مسار متكامل يجمع الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي والأمني مع توحيد الصف اليمني وبناء دولة
تستعيد ثقة شعبها. وعندما تتراجع الموارد وتتآكل الحاضنة
وينحسر الدعم الخارجي وتفقد الميليشيا القدرة على التوسع يصبح استمرارها أكثر كلفة
من بقائها.
تلك هي سنن السقوط فالمشاريع لا تنتهي دائما في لحظة واحدة
بل تبدأ نهايتها عندما تفقد الشروط التي صنعت صعودها.

