في الاستراتيجيات العسكرية والسياسية ليس أخطر ما يواجه الخصم أن يفشل سلاحه في إصابة الهدف بل أن يصيب الهدف ولا يحقق الغاية.
فقد يصل صاروخ إلى هدف جغرافي لكنه يفشل في الوصول إلى هدفه السياسي وقد تُحدث المسيّرة أضرارًا مادية لكنها تعجز عن إحداث الضرر الأكبر الذي أراده من أطلقها ألا وهو إرباك الدولة أو شل قرارها أو إخافة مجتمعها أو التأثير في اقتصادها أو دفعها إلى تغيير مواقفها.
والأسلحة في الصراعات الحديثة لا تُطلق دائمًا لتدمير هدف مادي فقط بل تُطلق لتصنع رسالة نفسية وسياسية أكبر من حجم الانفجار نفسه.
ومن هنا يصبح الردع مفهومًا أوسع من مجرد اعتراض المقذوف قبل وصوله.
هناك ردع عسكري يحمي السماء والمنشآت وهناك قرار سياسي يجعل الخصم يدرك أن الضغط لن يغيّر القرار وهناك ضغط اقتصادي يحافظ على حركة الدولة ومصالحها وهناك ما يمكن تسميته باللحمة الوطنية حين يظل المجتمع متماسكًا فلا تتحول محاولة التخويف إلى حالة من الذعر والارتباك.
وهنا تظهر أهمية العمق الاستراتيجي للدولة السعودية .
فالعمق الحقيقي لدينا ليس عدد الكيلومترات التي تفصل الحدود عن العاصمة الرياض بل قدرة الدولة على امتصاص الصدمة واستمرار مؤسساتها وحماية مصالحها وإدارة أزماتها والمحافظة على تماسك جبهتها الداخلية.
العدو القذر الذي يطلق صاروخًا أو مسيرةً على المملكة العربية السعودية يريد في الغالب شيئًا أبعد من الحفرة التي سيتركها في الأرض فهو يريد أن يترك حفرة في الثقة أو الاقتصاد أو القرار السياسي أو الروح المعنوية للمجتمع وأنّى له ذلك فحين تبقى هذه العناصر متماسكة يكون قد فشل في تحقيق أهدافه .
والمملكة العربية السعودية لا تنظر إلى أمنها باعتباره مجرد حماية للحدود بل باعتباره منظومة متكاملة تشمل الإنسان والمنشأة والاقتصاد والطاقة والمعلومات والمجتمع والعلاقات الدولية لأن الدولة الحديثة لا تدافع عن نقطة على الخريطة وإنما تدافع عن قدرتها على الاستمرار واتخاذ القرار.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية تبدأ أحيانًا بعد سقوط المقذوف لا قبله.
هل تعطلت الحياة؟ لا .
هل اهتز المجتمع؟ لا .
هل تغير القرار؟ لا .
هل اضطرب الاقتصاد؟ لا .
هل تحقق للمهاجم مكسب سياسي يوازي ما خاطر به؟ لا وألف لا .
و إذا كانت الإجابة لا فإن ميزان النتيجة يختلف جذريًا عن ميزان الانفجار.
وفي الفكر الاستراتيجي يمكن للخصم أن يمتلك قدرة الإيذاء دون أن يمتلك قدرة الإخضاع وبين الاثنين مسافة هائلة.
وهنا تتجلى أهم معادلات الحكمة والقوة السعودية فالهدوء ليس غيابًا للقوة وضبط النفس ليس عجزًا عن الرد وعدم الانجرار إلى التوقيت الذي يختاره الخصم ليس جبناً أو ضعفاً بل هو جزء من إدارة الصراع نفسه بحكمة وعقلانية .
ولهذا فإن الدول لا تكسب أمنها بكثرة السلاح وحده وإنما بحسن إدارة القوة ومتى تستخدمها ؟ ومتى تحتفظ بها ؟ ومتى تجعل مجرد وجودها رسالة ردع تغني عن استخدامها ؟ .
وهذا هو ما يميز المملكة العربية السعودية عن غيرها من دول العالم فهي تملك قيادة حكيمة وشعب متماسك وامكانيات عسكرية هائلة لكنها لا تبدأ بالعدوان بل تصبر وتطيل الصبر وتدفع باللتي هي أحسن حتى اذا لم يوجد للصبر مكاناً ضربت ضربتها القاضية وهذا هو ديدن حكامنا آل سعود منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه حتى عهدنا الحاضر عهد ملك الحزم والعزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله .


