المقالات

أين نحن من الذكاء الاصطناعي وبراءات الاختراع؟

في السابق كانت الأمم تقاس بما تملكه من موارد طبيعية، واليوم أصبحت تقاس بما تملكه من عقول وبراءات اختراع. فالذكاء الاصطناعي هو الثورة الصناعية الرابعة بامتياز، ومن لا يملك ورقة اختراع فيه سيظل مستهلكا لتقنيات يصنعها غيره. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو أين نحن من هذه الخريطة الجديدة للملكية الفكرية في ظل رؤية المملكة 2030.

عندما ننظر إلى المشهد العالمي نجد أن المنافسة محتدمة ومحصورة تقريبا في قطبين، فالصين تشكل اليوم نحو 70% من براءات الاختراع العالمية في الذكاء الاصطناعي، بينما كانت المنظمة العالمية للملكية الفكرية الويبو قد سجلت في عام 2021 وحده 277500 براءة اختراع دولية بزيادة 9% عن العام السابق، وتركزت نحو 10% منها في تكنولوجيا الحاسوب والاتصالات الرقمية والتكنولوجيا الطبية وهي المجالات المغذية للذكاء الاصطناعي. هذا السباق يعني أن براءة الاختراع أصبحت سلاحا سياديا يحمي الاقتصاد ويمنح صاحبه حق احتكار المعرفة لسنوات طويلة.

أما المملكة العربية السعودية وفي ظل رؤية 2030 التي جعلت الابتكار والتقنية ركيزة أساسية للتحول إلى اقتصاد معرفي، فقد قررت أن تكون فاعلا أساسيا في هذا السباق. فالمملكة تصدرت عربيا مؤشر براءات الاختراع وحلت في المرتبة 25 عالميا في تقييم الويبو، مع تنوع براءاتها بين الاتصالات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات وتنمية الموارد الطبيعية. والأهم من الترتيب هو التسارع في منح الحماية، حيث أعلنت الهيئة السعودية للملكية الفكرية عن إصدار براءة الاختراع رقم 20000 في أبريل 2025 في محطة مفصلية لمسيرة بدأت في يونيو 1989. فبعد أن استغرقت المملكة أكثر من 30 عاما لتصل إلى 10000 براءة في عام 2022، تمكنت من مضاعفة العدد ومنح 10000 براءة جديدة في أقل من 3 سنوات، في دلالة واضحة على تطور البيئة التنظيمية وكفاءة الفحص وزيادة الوعي، وهي قفزة تتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في رفع تصنيف المملكة في مؤشر الابتكار العالمي.

وهذا التسارع انعكس مباشرة على الذكاء الاصطناعي الذي يمثل أحد محركات الرؤية. فبحسب تقرير بوسطن كونسلتينج جروب ارتفع عدد براءات الاختراع السعودية في مجال الذكاء الاصطناعي إلى نحو 200 براءة اختراع في عام 2023 مقارنة بأرقام متواضعة في 2019، مع وجود نحو 5000 متخصص واستثمار يتجاوز 100 مليار دولار في القدرات المحلية، و72% من الشركات السعودية تبنت تقنيات الذكاء الاصطناعي الناشئة. كما أصدرت الهيئة 345 براءة اختراع لأفراد سعوديين خلال الربع الأول من عام 2025 وحده بنمو 16% عن نفس الفترة من 2024، وهو ما يعكس تحول الابتكار من الجامعات إلى الأفراد ورواد الأعمال. وتشهد الجامعات نفسها حراكا نوعيا يدعم مستهدفات الرؤية، فجامعة الأميرة نورة سجلت 7 براءات في الذكاء الاصطناعي والطاقة والصحة في عام 2025، وجامعة الأمير محمد بن فهد سجلت 23 اختراعا في مكتب براءات الاختراع الأمريكي في مجالات الذكاء الاصطناعي والهندسة، وهي مؤشرات تسهم في توطين التقنية وتنويع الاقتصاد.

نحن اليوم في ظل رؤية 2030 نعيش مرحلة انتقال من مرحلة التوثيق إلى مرحلة التحويل، فالقيمة الحقيقية لبراءة الاختراع ليست في شهادتها المعلقة على الجدار، القيمة الحقيقية في تحويلها إلى منتج وتطبيق وشركة ناشئة تسهم في الناتج المحلي وتخلق وظائف نوعية. ومن هنا يأتي التحدي القادم، فالسعودية نجحت في بناء البنية التحتية للملكية الفكرية وحققت طفرة كمية، والآن حان وقت الطفرة النوعية عبر ربط براءات الذكاء الاصطناعي بقطاعات الرؤية الاستراتيجية مثل الصحة والطاقة والتعليم والمدن الذكية، ودعم المخترعين ليس فقط بالحماية القانونية، كذلك بالتمويل والاحتضان والتصنيع. فمن يملك البراءة يملك المستقبل، ومن يحول البراءة إلى ثروة في ظل رؤية 2030 يملك السيادة الاقتصادية والمعرفية.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى