يتزامن نشر هذا المقال مع افتتاح مهرجان الأطاولة التراثي في عامه التاسع برعاية كريمة من لدن سمو أمير منطقة الباحة صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ حسام بن سعود ، يحفظه الله. وخلال سنوات المهرجان الثمان الماضية، أثبت أنه أنموذجا رائدا لكيفية إحياء التراث عندما يمتزج حب المكان والتراث مع حسن التخطيط والعمل المؤسسي.
كانت الأطاولة، كما يعرفها أبناء غامد وزهران، بسوقها التاريخي الشهير (سوق ربوع قريش)، ملتقى لأهالي القرى المجاورة وبعض القرى البعيدة عبر قرون طويلة، إذ يفدون إليه لبيع سلعهم وشراء حاجياتهم وتبادل الأخبار وتوطيد علاقاتهم الاجتماعية. ومع تغير أنماط الحياة ووسائل التجارة، خفتت الحركة في السوق في العقود الأخيرة حتى كاد أن يطويه النسيان كما طوى كثيرا من الأسواق التاريخية في أنحاء المملكة. غير أن أبناء الأطاولة لم يقبلوا أن يصبح تاريخ بلدتهم مجرد ذكرى. فمنذ قرابة عقد من الزمن اجتمع رجالاتها، ووضعوا رؤية واضحة وعزم لا يقبل التراخي لإحياء السوق، لا ليعود كما كان فحسب، بل ليولد من جديد بروح معاصرة تحافظ على أصالته وتسهم في استمراره وتطويره.
وقد حظيت هذه المبادرة منذ انطلاقتها بدعم كريم من سمو أمير المنطقة، الذي أولى المهرجان اهتماما ورعاية مستمرة، إيمانا منه بأهمية المحافظة على التراث وتحويله إلى مورد ثقافي وسياحي وتنموي دائم . كما وجدت المبادرة متابعة ودعما من قبل محافظي محافظة القرى الذين تعاقبوا على خدمة المحافظة، ومنهم الأستاذ خالد العبلان، والأستاذ هزاع بن ناصر بن قرملة، ويواصل اليوم المسيرة سعادة المحافظ/ عبدالله بن سعد الدامر، بما أسهم في ترسيخ نجاح المهرجان وتطويره عاما بعد عام.
ولعل أكثر ما يميز تجربة الأطاولة أنها قامت على تكامل الأدوار بين أبناء البلدة أنفسهم. فقد بذل رجال الأعمال والأهالي الدعم المالي بسخاء، و الذي أسهم في تطوير المهرجان واستمراره، بينما نقل كبار السن خبراتهم وذاكرتهم الشفوية، فأعادوا إحياء تفاصيل السوق وتاريخه وأنشطته وعاداته. أما الشباب، فقد سخّروا طاقاتهم وأفكارهم الإبداعية في التنظيم والتطوير والتسويق، حتى ارتدى سوق الأطاولة حُلّة الحاضر دون أن يفقد ملامح ماضيه التليد. ولذلك لم يكن مستغربا أن يصبح مهرجان الأطاولة أحد أبرز المهرجانات التراثية في المملكة عموما وفي منطقة الباحة على وجه الخصوص، ومقصدا لزوارها ومثقفيها ومؤرخيها، ومرجعا تستلهم منه كثير من المهرجانات اللاحقة أفكارها وتجاربها.
ويجمع معظم من زاره على أنه يتطور عاما بعد عام، سواء في جودة التنظيم أو تنوع الفعاليات أو حسن توظيف التراث بكل أنواعه بأساليب حديثة ومشوقة ، وهو تطور يعكس إخلاص القائمين عليه وإيمانهم بأن النجاح لا يتحقق إلا بالمتابعة والتحسين والدعم المستمر.
وقد تلقيت قبل أيام دعوة كريمة من ابن الأطاولة الوفي، أخي وصديقي سعادة العميد/ محمد بن عائض العبيدي، مدير سجون منطقة الرياض سابقا، ورئيس اللجنة الوطنية لرعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم (تراحم)، لحضور افتتاح المهرجان يوم الثلاثاء ٢٨-٧-٢٠٢٦. ويسعدني هذا التقدير الكريم، غير أن ظروفي قد تحول دون الحضور كما حالت في أعوام سابقة، مع أن النفس تتطلع إلى زيارة هذا الحدث الذي أصبح علامة فارقة في خارطة الفعاليات التراثية بالمنطقة.
إن مهرجان الأطاولة أضحى شاهدا على أن التراث يمكن أن يبقى حيا إذا وجد رجالا يؤمنون به وقيادة تدعمه ومجتمعا يقدره ويلتف حوله. وما تحقق خلال الأعوام الثمانية الماضية يؤكد أن الوفاء للمكان لا يكون بالحنين إليه فقط، وإنما بالعمل من أجله حتى يبقى الماضي حاضرا في ذاكرة الأجيال القادمة.
• أكاديمي





