شاهدت بالأمس مقطعًا لثلاثة سياح عرب يستقلون قاربا سياحيا في إحدى الدول. بدأ المشهد بمزاح بين الأصدقاء حول مهارة قائد القارب، لكنه لم يلبث أن تجاوز حدود المزاح ليلتفت أحدهم إلى قائد القارب ويقول له بصوت مرتفع وبلهجة مستهترة: (حوّل… حوّل: أي أنزل أنزل)، ولم يكتفي بهذه الإساءة، بل أمسك بكتفه ليؤكد طلبه، بينما تعالت ضحكات رفاقه. لم يرد الرجل بكلمة واحدة، واكتفى بنظرة امتعاض واستياء مما حدث، ثم واصل عمله بصمت.
هذا، بلا شك، ليس أول موقف محرج نشاهده من بعض السائحين العرب في بلدان مختلفة، وربما لن يكون الأخير. فالمشكلة ليست في المزاح، وإنما في اللحظة التي ينسى فيها الإنسان أن أمامه إنسانا آخر له كرامته وحدوده التي لا يجب أن تُنتهك.
ومن المعروف أن كثيرا من المرشدين السياحيين والسائقين والعاملين في القطاع السياحي يفهمون العربية، أو على الأقل يعرفون شيئا منها، بحكم عملهم أو كثرة احتكاكهم بالسائحين العرب. ولذلك فمن غير المستبعد أن يكون قائد ذلك القارب قد فهم ما قيل، لكنه آثر الصمت حتى لا يحول الموقف إلى مشكلة. وحتى لو لم يفهم العربية، فإن نبرة الصوت والإمساك بكتفه وتعالي الضحكات، كلها رسائل لا تحتاج إلى ترجمة حتى يشعر الإنسان بأنه أصبح محلا للسخرية.
وليس هذا المشهد حالة استثنائية، بل يتكرر بصور مختلفة وفي بلدان مختلفة. فمن الناس من يتحدث بالعربية بصوت مرتفع عن الأشخاص المحيطين به، ظنا أنهم لن يفهموا حديثه، ومنهم من يصور مقاطع ساخرة على حساب الآخرين أو يطلق أحكاما عامة على الشعوب وثقافاتها أو يفتح نقاشات دينية وسياسية في غير سياقها. وقد يستظرف أصحاب هذه التصرفات أنفسهم ولا يدركون أن سلوكياتهم تترك في نفوس الآخرين انطباعاً سيئا عنا عربا ومسلمين..
ماينبغي أن ندركه جميعا أن السفر في جوهره انتقال بين ثقافات مختلفة وأديان مختلفة وطرق مختلفة في التفكير والعيش. وكل رحلة تمنحنا فرصة لنتعلم شيئا جديدا عن الآخر واختلافاته. وحين نسافر، فإننا لا نمثل أنفسنا وحدنا، بل نمثل -ولو من غير قصد- أوطاننا وثقافتنا وديننا سلبا وإيجابا . ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن يتركه السائح في ذاكرة المجتمعات التي يسافر إليها، هو الأثر الطيب والسمعة الحسنة ويجعل من زيارته فرصة للتعرف على الثقافات وأهلها، لا سببا للسخرية أو الانتقاص منهم.
• أكاديمي





