المقالات

من يكتب أول سطور صفحة الطفل البيضاء؟

“قدمتَ إلى هذه الدنيا وأنت طفل مليء بالحب واللطف، إلى درجة أنك تجبر كل من ينظر إليك وأنت في المهد أن يحبك. الكراهية لم تكن إحدى السمات التي وُلدت بها، فكن على فطرتك.”

بهذه الكلمات وصف أحد الأصدقاء في تدوينة له على منصة X الفطرة النقية التي يولد بها الطفل. توقفتُ كثيرا عند هذه التغريدة التي أثارت في ذهني سؤالًا أحسبه من الأهمية بمكان: إذا كان الطفل لا يولد حاملًا للحقد أو الكراهية، فمن يكتب أول سطور صفحة حياته وكيف تتغير سلوكه عند كبره؟ واستدعيت في ذلك كل ما درسته وأدرّسه في اكتساب اللغة.
بلا ريب أن هذا السؤال ليس جديدًا، إذ شغل الفلاسفة وعلماء النفس واللغة والفلسفة قرونًا طويلة. فقد رأى جون لوك، وسبقه أرسطو في بعض تصوراته عن التعلم، ثم تبعه لاحقًا جون واتسون وبورهوس سكينر، أن الإنسان يولد أشبه بـ”صفحة بيضاء” (Blank Slate أو Tabula Rasa)، وأن التجارب والتربية هي التي ترسم ملامح شخصيته وسلوكه. وفي ما يخص الجانب المتعلق باكتساب اللغة، رفض اللغوي تشومسكي هذا التصور، ورأى أن الإنسان يولد مزودًا باستعدادات فطرية تمكنه من اكتساب اللغة، والتي وصفها بآلة اكتساب اللغة Language Acquisition Device (LAD)، ولاحقًا عبّر عنها بالقواعد الكونية Universal Grammar. أي أن الطفل يولد باستعداد لغوي فطري. وفي الوقت الذي أميل فيه لرأيه في الجانب اللغوي، وتحديدًا في اكتساب اللغة، إلا أنني سأستعير هنا فكرة “الصفحة البيضاء” بمعناها المجازي العام للحديث عن القيم والأخلاق التي تزرع في الطفل. فالطفل يولد بفطرة إنسانية سليمة، خاليًا من الأحقاد والضغائن والحسد والكراهية والعنصرية، ثم يتعلم من بيئته معنى الوفاء أو الغدر، والإيثار أو الأنانية، والتسامح أو التعصب أو ما يضادها.
والفطرة هنا لها تأصيل في شريعتنا الإسلامية، إذ تتوافق مع ما جاء في الحديث الصحيح، إذ قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِدانه أو ينصِّرانه أو يمجِسانه». إذ يؤكد الحديث أن الأصل في الإنسان هو الفطرة السليمة، ثم يأتي أثر البيئة والتربية في توجيهها إما نحو الحسن أو نحو السيئ. وهذا لا يعني أن الإنسان يفقد إرادته أو مسؤوليته عن اختياراته، وإنما يؤكد أن السنوات الأولى من عمره هي المرحلة التي تُغرس فيها البذور الأولى لا للغته فحسب، بل لشخصيته وسلوكه أيضًا، وهذا ما تقوم به الأسرة التي تُعد الركيزة الأهم في المنظومة التربوية. فالبيت هو المكان الذي يتعلم فيه الطفل قبل أن يتلقى أي درس في المدرسة أو يستمع إلى أي موعظة في المسجد، فالطفل – وأتفق هنا مع المدرسة السلوكية – يقلد ما يراه أكثر مما يستجيب لما يسمعه في أسرته، حيث تتشكل القيم العربية والإسلامية التي يُناط بها الحفاظ على تماسك المجتمع وزرع القيم فيه، مثل بر الوالدين، وصلة الرحم، واحترام الكبير، ورحمة الصغير، والأمانة، والوفاء، والإيثار، والتسامح، وحسن الجوار، وتحمل المسؤولية، وغيرها مما أقرّه وحثّ عليه ديننا الحنيف.
ثم يأتي دور المسجد ليمنح هذه القيم بعدها الإيماني، إذ يتعلم الطفل أن حسن الخلق عبادة يؤجر عليها، وأن الصدق والعدل والرحمة والإحسان أوامر شرعية قبل أن تكون فضائل إنسانية. وبعد ذلك يأتي دور المدرسة التي تتوسع فيها مداركه، وتنمّي لديه الانضباط، واحترام الأنظمة، والعمل الجماعي، والحوار، وقبول الاختلاف، معززة ما بدأته الأسرة ورسّخه المسجد.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: ماذا ينبغي علينا أن نغرسه في سلوك الأبناء وكيف نحافظ عليه ؟ أو بكلمات أخرى، ماذا يجب أن نكتب في صفحات كتاب الطفل الأولى؟ فالكلمات بطبعها تُنسى، أما القدوة فتبقى، وما يراه الطفل في سنواته الأولى يرافقه طويلا، وقد يصبح جزءا من نظرته إلى نفسه وإلى المجتمع الذي يعيش فيه. ولهذا فإن بناء المجتمع لا يبدأ في المسجد ولا في المدارس ولا عند أبواب الجامعات، بل يبدأ في البيت ثم يرسخه المسجد وتبني عليه المدرسة ليقطف المجتمع ثماره.

” أكاديمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى