برحيل معالي الدكتور بكر بن عبدالله بن بكر، مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن الأسبق، فقدت المملكة العربية السعودية أحد رجالات التعليم الذين أسهموا في خدمة الوطن من خلال بناء الإنسان قبل البنيان، وتركوا بصماتٍ راسخةً في مسيرة التعليم العالي. فقد كان – رحمه الله – نموذجًا للقائد الأكاديمي الذي جمع بين الكفاءة الإدارية، والرؤية العلمية، والخلق الرفيع، والحرص الصادق على طلاب الجامعة ومنسوبيها.
وخلال توليه رئاسة جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، واصل مسيرة الجامعة بوصفها إحدى أبرز الجامعات في المملكة والعالم العربي والشرق الأوسط وحتى عالميا ، وعمل على تعزيز مكانتها الأكاديمية والبحثية، ودعم البيئة العلمية التي تُخرِّج الكفاءات الوطنية القادرة على الإسهام في مسيرة التنمية والنهضة. ومن المحطات التاريخية البارزة في عهده، تشرفه باستقبال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز – رحمه الله – خلال زيارته للجامعة، حيث أعلن – رحمه الله – تغيير مسمى «جامعة البترول والمعادن» إلى «جامعة الملك فهد للبترول والمعادن»، وهو حدث تاريخي ارتبط باسم الجامعة ومسيرتها.
غير أن ما بقي في ذاكرة كثيرٍ من طلابه وزملائه لم يكن الإنجازات الإدارية والأكاديمية وحدها، بل شخصيته الإنسانية الراقية. فقد كان قريبًا من الطلاب، يحرص في خطاباته وكلماته على مخاطبة عقولهم وقلوبهم معًا، ويقدم لهم النصح والتوجيه بروح الأب المربي، لا بروح المسؤول الذي يؤدي واجبًا وظيفيًا. لذلك وجدت كلماته طريقها إلى النفوس، وبقي أثرها حاضرًا رغم مرور السنوات.
ولقد تشرفت بالدراسة في الجامعة خلال تلك المرحلة، وإن كنت قد تخرجت بعد مغادرته رئاسة الجامعة، إلا أنني حضرت عددًا من خطاباته في مناسبات الجامعة، ولا يزال صدى تلك الكلمات يتردد في ذاكرتي. كانت كلماته صادقة، تنبع من إيمانٍ عميق برسالة العلم، وبأهمية بناء الشخصية، وغرس قيم الانضباط والإخلاص وتحمل المسؤولية. ولم يكن حديثه إلى الطلاب حديث رئيس جامعة إلى منسوبيه، بل كان حديث أبٍ إلى أبنائه، يفيض بالنصح والمحبة والحرص على مستقبلهم، ولذلك بقي أثره في نفوس من استمع إليه.
إن المؤسسات العظيمة تُقاس برجالها، وبعض القادة يتركون أثرًا يتجاوز حدود المناصب والسنوات. وكان الدكتور بكر بن عبدالله بن بكر واحدًا من أولئك الذين بقيت سيرتهم حاضرة في نفوس من عرفهم أو تتلمذوا في جامعتهم، لما امتاز به من تواضع، وحكمة، وحسن إدارة، وإخلاص في أداء الأمانة.
رحم الله معالي الدكتور بكر بن عبدالله بن بكر رحمةً واسعة، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وجامعته وطلابه خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علمٍ وعملٍ وتربيةٍ في ميزان حسناته. وستظل سيرته العطرة وذكراه الطيبة شاهدتين على حياةٍ أفناها في خدمة العلم، وبناء الإنسان، وخدمة الوطن.

