كتاب الرأي

نهاية العولمة… أم إعادة تشكيلها!

في مطلع القرن الحادي والعشرين، كان الحديث عن العولمة يحمل قدرًا كبيرًا من التفاؤل. فقد بدأ العالم وكأنه يتجه نحو اقتصاد بلا حدود، وأسواق مفتوحة، وتجارة تتدفق بحرية، ورؤوس أموال تعبر القارات في ثوانٍ، وسلع تُنتج في دولة، وتُجمع في أخرى، وتُباع في ثالثة. وكان الاعتقاد السائد أن العولمة تمثل المرحلة النهائية لتطور الاقتصاد العالمي.

لكن السنوات الأخيرة قلبت كثيرًا من هذه المسلمات، وأصبح السؤال المطروح: هل أنتهى عصر العولمة، أم أننا نشهد إعادة تشكيلها!

جاءت جائحة كورونا تكشف هشاشة النموذج الاقتصادي الذي يعتمد على تركيز الإنتاج في عدد محدود من الدول. فقد تعطلت المصانع، وأغلقت الموانئ، وارتفعت تكاليف الشحن، واختفت بعض السلع من الأسواق. ثم جاءت التوترات الجيوسياسية، والحروب التجارية، والعقوبات الاقتصادية، تدفع الدول إلى إعادة النظر في مفهوم الاعتماد المتبادل.

وأصبح الأمن الاقتصادي، بعد أن كان مفهوما أكاديميًا، أحد أهم أولويات الحكومات. فلم يصبح الأمر كيف ننتج بأقل تكلفة! بل أصبح: كيف نضمن استمرار الإنتاج في أوقات الأزمات! أو ما يسمى استمرارية الأعمال (Business Continuity).

ولعل هذا هو التحول الأكبر أو حجر الزاوية في فلسفة الاقتصاد العالمي. فالعالم لم يعد يبحث عن الكفاءة وحدها، بل عن المرونة أيضًا. وأصبحت الشركات تنوع مورديها، وتنقل جزءًا من مصانعها إلى دول أخرى، وتزيد مخزونها الاستراتيجي، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع التكاليف.

ومن هنا ظهرت مفاهيم جديدة مثل إعادة توطين(Reshoring)، والتوريد من الدول الصديقة (Friend-Shoring)، وتقريب الإنتاج من الأسواق (Near-Shoring) وهي مفاهيم تعكس انتقال الاقتصاد العالمي من مرحلة السعي إلى أقل تكلفة، إلى مرحلة تحقيق أعلى درجات الأمان والاستدامة.

لكن هل يعني ذلك نهاية العولمة!

تشير المؤشرات الاقتصادية الى أن العولمة لم تنته، وإنما تغيرت طبيعتها. في التجارة الدولية ما زالت تُقاس تريليونات الدولارات سنويًا، والاستثمارات الأجنبية لا تزال تتدفق بين القارات، وسلاسل القيمة العالمية لم تختفِ، بل أعادت توزيع نفسها. بل إن العولمة الرقمية أصبحت أكثر قوة من أي وقت مضى؛ إذ تنتقل البيانات والخدمات والبرمجيات والمعرفة عبر الحدود بسرعة تفوق انتقال السلع نفسها.

كما أن الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية، والعمل عن بُعد، أسهمت في خلق شكل جديد من الترابط العالمي، لا يعتمد فقط على السفن والطائرات، بل على الشبكات الرقمية والمنصات الإلكترونية.

وتشير تقارير منظمة التجارة العالمية (WTO) وصندوق النقد الدولي (IMF) إلى أن الاقتصاد العالمي يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل اعتبارات التجارة مع الأمن القومي، والتكنولوجيا مع السياسة، والاقتصاد مع الجغرافيا السياسية.

وفي هذا السياق، تمتلك المملكة العربية السعودية فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها في الاقتصاد العالمي الجديد. بموقعها الجغرافي الذي يربط ثلاث قارات، واستثماراتها في الموانئ والمناطق اللوجستية، وتوسعها في الاقتصاد الرقمي والصناعات الواعدة والطاقة النظيفة، كلها عوامل تؤهلها لتكون محورًا رئيسًا في إعادة تشكيل سلاسل التجارة والاستثمار العالمية، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة. ويُعد تنظيم أول منتدى لوجستي عالمي (GLF) في الرياض 2024 أحد الشواهد على هذا التوجه، إلى جانب الجهود المتواصلة لتعزيز مكانة المملكة ضمن الدول الرائدة عالميًا في الأداء اللوجستي.

ويبقى السؤال: كيف ستكون العولمة في العقد القادم!

من المرجح أنها لن تكون عولمة مفتوحة بلا قيود كما عرفها العالم في العقود الماضية، ولن تكون أيضًا انعزالًا اقتصاديًا بين الدول. بل ستكون عولمة أكثر انتقائية، تقوم على تنويع الشراكات، وحماية الصناعات الاستراتيجية، وتعزيز الأمن الاقتصادي، مع استمرار الانفتاح على التجارة والاستثمار والتقنية.

لقد أثبتت التجارب أن العالم لا يستطيع أن يعيش في عزلة، كما لا يستطيع أن يعتمد على مصدر واحد لكل احتياجاته. ولذلك فإن مستقبل الاقتصاد العالمي لن يكون في إلغاء العولمة، بل في إعادة تصميمها بما يجعلها أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر توازنًا في توزيع المنافع.

إن العالم لا يشهد نهاية العولمة، بل نهاية مرحلة وبداية أخرى. العولمة الجديدة لن تقوم على الانفتاح المطلق كما في الماضي، بل على مزيج من الانفتاح والأمن الاقتصادي، ومن الكفاءة والمرونة، ومن المنافسة والشراكات الاستراتيجية. وستكون الدول التي تستثمر في تنويع اقتصاداتها، وتعزيز الابتكار، وبناء سلاسل إمداد مرنة، هي الأقدر على قيادة الاقتصاد العالمي في المستقبل .

أ.د. محمد بن علي مباركي

كاتب رأي و عضو مجلس الشورى وأستاذ جامعي في تخصص الهندسه المدنيه وله اهتمامات في التعليم الجامعي واداره المشاريع والإحصاء التطبيقي والهندسي، له العديد من الأبحاث العلميه وعضو هيئه تحرير كثير من المجلات العلميه المتخصصه العالميه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى