كتاب الرأي

من صقل مهاراتنا المهنية… نحن أم الظروف؟

يقال إن الخبرة تُقاس بعدد السنوات، لكن الحقيقة أن السنوات وحدها لا تصنع محترفًا. فقد يعمل شخصان في المجال نفسه لعشر سنوات، ويخرج أحدهما بخبرة استثنائية، بينما يظل الآخر في المكان ذاته، يكرر ما اعتاده دون تطور يذكر.

فمن المسؤول عن صقل مهاراتنا المهنية؟ نحن، أم الظروف والتجارب؟

لا شك أن الظروف تصنع جزءًا من شخصيتنا المهنية. فالتحديات تعلمنا الصبر، والأخطاء تعلمنا الحذر، والأزمات تكشف قدرات لم نكن نعلم أننا نملكها. كما أن العمل مع قادة مختلفين، والانتقال بين فرق متنوعة، والتعامل مع النجاحات والإخفاقات، كلها تشكل مدرسة عملية لا توفرها الكتب وحدها.

لكن الظروف، مهما كانت قاسية أو غنية بالتجارب، لا تكفي إذا لم يكن لدى الإنسان رغبة حقيقية في التعلم. فهناك من يخرج من أصعب المواقف أكثر حكمة، وهناك من يخرج منها بالشكوى فقط. الفرق ليس في الحدث، بل في طريقة التعامل معه.

المهني الذي يتطور باستمرار هو من يسأل نفسه بعد كل تجربة: ماذا تعلمت؟ وما الذي يمكن أن أفعله بصورة أفضل في المرة القادمة؟ إنه لا يكتفي بأداء العمل، بل يحول كل موقف إلى فرصة للنمو.

وفي المقابل، تتحمل المؤسسات مسؤولية كبيرة في صناعة بيئات عمل تساعد على التعلم، من خلال التمكين، والتغذية الراجعة، والتدريب، وإتاحة الفرص. فالموهبة قد تكون بداية الطريق، لكن البيئة الداعمة هي التي تساعدها على الاستمرار والازدهار.

ربما تكون الإجابة أن المهارات المهنية لا يصقلها عامل واحد. فالظروف تمنحنا الدروس، والتجارب تقدم لنا الاختبارات، لكن قرار التعلم يبقى قرارًا شخصيًا. ومن يجمع بين التجربة والرغبة الصادقة في التطور، هو من يصنع مسيرة مهنية قادرة على التكيف والتميز، مهما تغيرت الظروف.

لذلك، قد يكون السؤال الأهم ليس: من صقل مهاراتنا المهنية؟ بل: هل استثمرنا كل تجربة مررنا بها لنصبح أفضل مما كنا عليه بالأمس؟

د. صباح عسيري

باحثة دكتوراة في أساليب القيادة نحو أثر مستدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى