
كشف التقرير السنوي للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي لعام 2025 عن توسع متسارع في حضور القطاع داخل منظومة التنمية الوطنية، مدفوعًا بنمو عدد المنظمات، وارتفاع المشاركة التطوعية، وزيادة مساهمته الاقتصادية، إلى جانب اتساع دوره في خلق الوظائف وتوجيه الإنفاق نحو البرامج والمشروعات التنموية.
وبحسب التقرير، ارتفعت مساهمة المنظمات غير الربحية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.4%، فيما تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,200 منظمة بنهاية عام 2025، ووصل عدد المتطوعين إلى 1.7 مليون متطوع. وتعكس هذه المؤشرات انتقال القطاع إلى مساحة أوسع من المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بعد أن كان يُنظر إليه تقليديًا بوصفه مجالًا للمساعدات والأعمال الخيرية فقط.
نمو اقتصادي يتجاوز التوسع العددي
لا تقتصر أهمية ارتفاع عدد المنظمات غير الربحية على النمو الكمي؛ إذ تُظهر المؤشرات المصاحبة أن توسع القطاع ارتبط بزيادة مساهمته الاقتصادية وتحسن توجيه موارده نحو التنمية.
فقد ارتفعت مساهمة القطاع في الناتج المحلي من 0.99% خلال عام 2024 إلى 1.4% خلال عام 2025، بزيادة مقدارها 0.41 نقطة مئوية، وبمعدل نمو نسبي يتجاوز 41%. كما ارتفعت نسبة المنظمات الداعمة للأولويات التنموية من 92% إلى 97% خلال الفترة نفسها.
وتشير هذه الزيادة إلى أن نمو القطاع بدأ يرتبط بدرجة أكبر بالأولويات الوطنية في مجالات مثل التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية والثقافة والبيئة، بدلًا من الاكتفاء بزيادة عدد الكيانات المسجلة.
كما سجل القطاع نموًا تراكميًا في عدد المنظمات بلغ 341.97% مقارنة بخط الأساس، مقابل نمو بلغ 252% في تقرير العام السابق، وهو ما يعكس استمرار توسع قاعدة العمل غير الربحي وتسارع تأسيس المنظمات المتخصصة.
التطوع يتحول إلى رأس مال مجتمعي
يبرز العمل التطوعي بوصفه أحد أكثر مؤشرات القطاع نموًا خلال 2025؛ إذ ارتفع عدد المتطوعين من مليون متطوع في 2024 إلى 1.7 مليون متطوع في 2025، بما يمثل زيادة قدرها 70% خلال عام واحد. وكان القطاع قد حقق مستهدف الوصول إلى مليون متطوع قبل حلول عام 2030 بست سنوات.
وسجلت المنصة الوطنية للعمل التطوعي أكثر من 552 ألف فرصة تطوعية، فيما شارك نحو 185 ألف متطوع في خدمة ضيوف الرحمن. كما بلغت القيمة الاقتصادية لتطوع الفرد 305 ريالات، ما يقدم قراءة مختلفة للتطوع لا باعتباره مشاركة اجتماعية فقط، بل مساهمة اقتصادية يمكن قياسها وإدراجها ضمن قيمة القطاع.
ويكشف هذا التطور عن اتساع ثقافة المشاركة المجتمعية، لكنه يفتح في الوقت نفسه ملف جودة الفرص التطوعية، ومدى ارتباطها باحتياجات المجتمع، وقدرتها على بناء مهارات المتطوعين وتحقيق أثر يمكن قياسه، بدلًا من التركيز على أعداد المشاركين والساعات وحدها.
141 ألف موظف داخل القطاع
امتد نمو القطاع إلى سوق العمل، مع تجاوز إجمالي العاملين فيه 141 ألف موظف، بما يمثل 0.80% من إجمالي القوى العاملة في المملكة، مقارنة بنسبة تجاوزت 0.64% في عام 2024.
وتعكس هذه النسبة توسع دور المنظمات غير الربحية في إيجاد فرص وظيفية واستقطاب الكفاءات، لكنها تشير أيضًا إلى حاجة القطاع إلى تطوير مسارات مهنية واضحة، وتحسين قدرات العاملين في الإدارة والحوكمة وقياس الأثر والاستدامة المالية وتصميم البرامج الاجتماعية.
فالقطاع الذي يتوسع في عدد منظماته وموظفيه يحتاج بالتوازي إلى الانتقال من الاعتماد على المبادرات المتفرقة إلى بناء مؤسسات مهنية تمتلك نماذج تشغيلية مستدامة، وقادرة على المنافسة في استقطاب الكفاءات والاحتفاظ بها.
الإنفاق التنموي مؤشر على جودة التوجه
أظهر التقرير أن الإنفاق التنموي شكّل 76.2% من إجمالي إنفاق القطاع، مقابل ما يزيد على 75% في العام السابق، فيما ارتفعت نسبة رضا المستفيدين من خدمات منظمات القطاع من أكثر من 88% إلى 90%.
وتكتسب نسبة الإنفاق التنموي أهميتها من كونها تقيس مقدار ما يوجه إلى البرامج والخدمات ذات الأثر المباشر، مقارنة بالمصروفات الإدارية والتشغيلية. ومع ذلك، فإن ارتفاع الإنفاق التنموي لا يكفي وحده للحكم على الأثر؛ إذ تبقى الحاجة قائمة إلى ربط الإنفاق بنتائج قابلة للقياس، مثل تحسين جودة الحياة، أو رفع فرص التوظيف، أو تقليل مشكلة اجتماعية محددة.
مرحلة جديدة تتطلب قياس الأثر
تكشف مؤشرات عام 2025 أن القطاع غير الربحي السعودي تجاوز مرحلة إثبات الحضور، وأصبح أمام مرحلة أكثر تقدمًا تتعلق بجودة هذا الحضور وعمق أثره.
فالنمو في عدد المنظمات والمتطوعين والعاملين، وارتفاع المساهمة في الناتج المحلي، تمثل جميعها مؤشرات إيجابية، إلا أن استدامة هذا النمو ستعتمد على قدرة المنظمات على تنويع مصادر دخلها، وتطوير حوكمتها، وبناء شراكات طويلة المدى، وتحويل البيانات إلى قرارات وبرامج تستجيب للاحتياجات الفعلية للمجتمع.
وأكد وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، رئيس مجلس إدارة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي المهندس أحمد الراجحي، أن القطاع يُعد «أحد المرتكزات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030»، مشيرًا إلى دور الممكنات التشريعية والتنظيمية والتنموية في تعزيز كفاءة منظماته وتوسيع أثرها.وتشير القراءة العامة للتقرير إلى أن التحدي المقبل لن يكون في زيادة عدد المنظمات والمتطوعين فقط، بل في تحويل هذا التوسع إلى نتائج اجتماعية واقتصادية مستدامة، وتعزيز قدرة القطاع على العمل شريكًا تنمويًا إلى جانب القطاعين الحكومي والخاص
«القطاع غير الربحي تجاوز مرحلة إثبات الحضور، وأصبح التحدي في جودة الأثر واستدامته».






