أبرز الأخبارFrom makkah to the worldالمحليةتحقيقات وتقارير

كيف بنت المملكة واحدة من أقوى منظومات المياه في العالم؟

حين يُذكر قطاع المياه في المملكة العربية السعودية اليوم، فإن الحديث لم يعد يقتصر على محطات التحلية أو شبكات النقل، بل يمتد إلى منظومة متكاملة أعادت تعريف مفهوم الأمن المائي في واحدة من أكثر دول العالم شحًا في الموارد الطبيعية. وخلال أقل من عقد، انتقل القطاع من مرحلة التوسع في الخدمات إلى بناء نموذج عالمي يعتمد على الحوكمة، والاستثمار، والابتكار، وكفاءة التشغيل.

إصلاحات هيكلية صنعت التحول

لم يكن الإنجاز نتيجة تنفيذ مشاريع منفردة، بل جاء عبر تحول مؤسسي شامل شمل إعادة تنظيم القطاع، وتطوير الحوكمة، وإقرار أطر تنظيمية وتمويلية وتشغيلية حديثة، إلى جانب توطين الصناعات والمعرفة، بما أسهم في رفع كفاءة الاستثمار وتحسين جودة الخدمات، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030 والإستراتيجية الوطنية للمياه.

مياه آمنة تصل إلى الجميع

حققت المملكة أحد أبرز مستهدفات التنمية المستدامة بوصول خدمات مياه الشرب الآمنة والنقية إلى 100% من السكان، فيما تغطي شبكات المياه المتطورة نحو 85% من المستفيدين، وهو ما يعكس توسع البنية التحتية وارتفاع موثوقية الخدمة في مختلف مناطق المملكة.

أكبر منتج للمياه المحلاة عالميًا

اعتمدت المملكة على تحلية المياه بوصفها الركيزة الأساسية لتعزيز الأمن المائي، لترتفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو 16 مليون متر مكعب يوميًا، مقارنة بنحو 9 ملايين متر مكعب يوميًا عام 2016.

وتضم المنظومة 40 محطة تحلية تعمل بكفاءة تشغيلية وبيئية عالية، ما جعل المملكة المنتج الأكبر للمياه المحلاة في العالم.

شبكة وطنية تربط أنحاء المملكة

لا تتوقف المنظومة عند الإنتاج، بل تمتد عبر شبكة نقل تتجاوز 18 ألف كيلومتر، تنقل المياه المحلاة إلى المدن والمحافظات، بما يضمن استمرارية الإمدادات ويعزز موثوقية الخدمة حتى في المناطق البعيدة عن مصادر الإنتاج.

أمن مائي أكثر جاهزية

دعمت المملكة قدرتها على مواجهة الطوارئ من خلال رفع السعة التخزينية الإستراتيجية للمياه بنسبة تجاوزت 125%، وهو ما يضمن استمرار الإمدادات لأكثر من ثلاثة أيام في الظروف الاستثنائية، ويعكس تطور إدارة المخاطر وتعزيز الأمن المائي.

حماية الموارد للأجيال القادمة

بالتوازي مع زيادة الإنتاج، اتجهت المملكة إلى ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية، حيث انخفض استهلاك المياه الجوفية غير المتجددة، خاصة في القطاع الزراعي، من نحو 21 مليار متر مكعب عام 2016 إلى حوالي 11 مليار متر مكعب بحلول عام 2025، في خطوة تهدف إلى حماية المخزون المائي وتحقيق الاستدامة.

استثمارات رفعت الكفاءة وخفضت التكاليف

أسهمت الإصلاحات التنظيمية في جذب استثمارات رأسمالية تجاوزت 60 مليار ريال في مشاريع إنتاج المياه ونقلها ومعالجة مياه الصرف الصحي، كما ساعدت الأطر التعاقدية الحديثة على خفض التكلفة الرأسمالية وتحقيق وفورات مالية للميزانية العامة، مع رفع كفاءة إدارة وتشغيل القطاع.

ريادة في كفاءة الطاقة

لم تقتصر الريادة السعودية على حجم الإنتاج، بل امتدت إلى كفاءة التشغيل، إذ سجلت المملكة عبر الهيئة السعودية للمياه أقل معدل عالمي لاستهلاك الطاقة في إنتاج المياه المحلاة بأقل من 2.27 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب، بالتزامن مع التوسع في استخدام الطاقة المتجددة، بما يعزز الاستدامة البيئية ويخفض الانبعاثات الكربونية.

تجربة تتجاوز الأرقام

تكشف المؤشرات أن ما تحقق في قطاع المياه لم يكن توسعًا في البنية التحتية فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تجمع بين الحوكمة، والاستثمار، والتقنيات الحديثة، والإدارة المستدامة للموارد. ولهذا أصبحت التجربة السعودية واحدة من النماذج البارزة عالميًا في تحقيق الأمن المائي، رغم التحديات الطبيعية التي تواجهها.

زاوية مكة

لم تبنِ المملكة واحدة من أقوى منظومات المياه في العالم بوفرة الموارد، بل ببناء رؤية طويلة المدى استثمرت في الإنسان، والتقنية، والبنية التحتية، والإصلاح المؤسسي. وتثبت التجربة السعودية أن الأمن المائي لا يتحقق بكثرة المياه، بل بحسن إدارتها، وهو ما جعلها نموذجًا دوليًا في الاستدامة وإدارة الموارد المائية.

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى