أبرز الأخبارFrom makkah to the worldأخبار العالمالذكاء الإصطناعي

الحوكمة والرقمنة تعيدان تشكيل القطاع غير الربحي

لم يعد تمكين القطاع غير الربحي في المملكة مرتبطًا بزيادة عدد الجمعيات والمؤسسات الأهلية فقط، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على بناء منظومة تنظيمية توازن بين سهولة التأسيس والعمل، وبين الحوكمة والشفافية وحماية الموارد وثقة المتبرعين والمستفيدين.

وتبرز أهمية هذا التحول مع تجاوز عدد المنظمات غير الربحية 7,200 منظمة بنهاية عام 2025؛ فكلما اتسعت قاعدة القطاع، ارتفعت الحاجة إلى أدوات أكثر كفاءة في الترخيص والإشراف المالي والإداري وقياس الامتثال ومتابعة الأداء. ولهذا يضع المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي تطوير البيئة الممكنة ورفع كفاءة المنظمات ضمن الأدوار الأساسية التي يستعرضها تقريره السنوي لعام 2025.

التنظيم يتجاوز إصدار التراخيص

تتمثل مهمة المركز في تنظيم القطاع وتشغيله والإشراف عليه، إلى جانب إعداد الاستراتيجيات ودعم التشريعات والسياسات، وتسجيل المنظمات وإصدار التراخيص، ومتابعة أدائها المالي والإداري والفني، ونشر الإحصاءات، والتنسيق مع الوحدات الإشرافية في الجهات الحكومية.

وتوضح هذه الاختصاصات أن التنظيم لا يقتصر على الموافقة على تأسيس المنظمة، بل يمتد إلى دورة حياتها المؤسسية كاملة؛ بدءًا من التسجيل وتحديد النشاط، مرورًا بإدارة الموارد والقيادات والحسابات، ووصولًا إلى الإفصاح وتقييم الأداء.

ويعكس ذلك تحولًا في نظرة المنظومة التنظيمية إلى المنظمة غير الربحية؛ إذ لم تعد كيانًا يتلقى التبرعات وينفذ المبادرات بصورة منفصلة، بل مؤسسة تنموية مطالبة بإدارة مواردها وفق قواعد واضحة، وإثبات سلامتها المالية والإدارية، وقياس جودة خدماتها وأثرها.

تحديث التشريعات استجابة لاتساع القطاع

شهد عام 2025 إقرار النسخة المحدثة من اللائحة التنفيذية للجمعيات والمؤسسات الأهلية، والنسخة المحدثة من قواعد حوكمتها، إلى جانب اعتماد دليل تسمية الجمعيات والمؤسسات الأهلية. كما تناولت أعمال المركز التصنيف الحجمي للجمعيات، ومصفوفة الصلاحيات، ومؤشرات البيئة التشريعية ورحلة المستفيد.

ويشير هذا التحديث إلى أن البيئة التنظيمية تتحرك بالتوازي مع سرعة نمو القطاع؛ فالقواعد التي تناسب قطاعًا محدود العدد قد لا تكون كافية عند اتساعه وتنوع تخصصاته وأحجام منظماته.

كما أن تصنيف المنظمات وفق أحجامها يفتح المجال أمام تطبيق متطلبات أكثر تناسبًا مع قدرات كل منظمة، بدلًا من إخضاع الجمعيات الصغيرة والناشئة للالتزامات نفسها المطبقة على المنظمات الكبيرة والمعقدة.

وهنا تظهر معادلة أساسية أمام المنظم: رفع مستوى الرقابة دون تحويل الامتثال إلى عبء يعطل المنظمات عن أداء رسالتها الاجتماعية.

التقييم الذاتي ينقل الحوكمة إلى داخل المنظمة

من أبرز أدوات التمكين التنظيمي إتاحة خدمة التقييم الاسترشادي، التي تمكن المنظمة من التعرف على مستوى امتثالها والإجراءات التصحيحية المقترحة قبل خضوعها للتقييم الرسمي.

وتشمل أدلة التقييم معايير الامتثال والالتزام، والسلامة المالية، والشفافية والإفصاح، مع أدلة مخصصة للمنظمات وفق أحجامها المختلفة. ويعقب ذلك تقييم رسمي يصدر نتائج معتمدة تحدد مستوى امتثال المنظمة للمعايير المعتمدة.

ولا تمثل هذه الآلية مجرد نقل نموذج التقييم إلى منصة إلكترونية؛ بل تعكس تحولًا من الرقابة اللاحقة، التي ترصد المخالفة بعد وقوعها، إلى الوقاية المؤسسية، التي تمنح المنظمة فرصة اكتشاف الفجوات ومعالجتها مسبقًا.

كما تعيد هذه الأدوات توزيع مسؤولية الحوكمة؛ فالمركز يضع المعايير ويتابع تطبيقها، بينما تصبح المنظمة مسؤولة عن مراجعة أدائها بصورة مستمرة، وعدم انتظار الزيارة الرقابية أو التقييم الرسمي حتى تتعرف على نقاط الضعف.

الرقمنة تصنع مسارًا قابلًا للتتبع

تضم منظومة الخدمات الإلكترونية إدارة الحسابات البنكية، وإيداع القوائم المالية، والتقييم الاسترشادي والرسمي، وإصدار بعض تراخيص جمع التبرعات، ورفع تقارير جمع التبرعات وصرفها.

وتتيح خدمة إيداع القوائم المالية رفع القوائم المدققة وإدراجها ضمن التقارير ذات العلاقة واحتسابها في نسبة الحوكمة المقاسة دوريًا على مستوى المنظمات. كما تمكن خدمات التبرعات المنظمات من رفع تقارير الجمع والصرف لاعتمادها من المركز.

وتكمن القيمة الأعمق لهذه الخدمات في تحويل العمليات التنظيمية إلى بيانات قابلة للتوثيق والتحليل؛ إذ يصبح من الممكن متابعة رحلة الطلب، والتحقق من المستندات، وربط المعلومات المالية بدرجات الحوكمة، ورصد جوانب التعثر أو التأخر.

وبذلك لا تؤدي الرقمنة وظيفة خدمية فقط، بل تصبح جزءًا من البنية الرقابية للقطاع، وتساعد على بناء سجل مؤسسي لكل منظمة يمكن الاستناد إليه في التقييم واتخاذ القرار.

الإفصاح يعزز الثقة ويحمي القطاع

تتيح خدمات المركز الإفصاح عن بيانات المستفيد الحقيقي، بما يسهم في رفع مستوى شفافية المنظمات وتعزيز التزامها بالمتطلبات المحلية والدولية. كما ترتبط منظومة الحوكمة بإيداع القوائم المالية المدققة، والإفصاح، ومتابعة جمع التبرعات وأوجه صرفها.

وتزداد أهمية هذه الإجراءات لأن القطاع غير الربحي يعتمد في جانب من موارده على ثقة المجتمع والمتبرعين والشركاء. وأي ضعف في الشفافية المالية أو تحديد أصحاب الصلاحيات والمستفيدين الحقيقيين قد لا يضر بالمنظمة وحدها، بل ينعكس على سمعة القطاع بأكمله.

ومن هنا تتحول الحوكمة من التزام نظامي إلى أصل مؤسسي؛ فالمنظمة الأكثر شفافية وقدرة على توثيق أعمالها تكون أكثر جاهزية لجذب الشراكات والتمويل والإسناد الحكومي، وأكثر قدرة على إثبات أثرها أمام المجتمع.

تمكين لا يكتمل بالأنظمة وحدها

رغم أهمية اللوائح والمنصات الرقمية، فإن نجاحها يرتبط بقدرات الأشخاص الذين يديرون المنظمات، خصوصًا أعضاء مجالس الإدارة والقيادات التنفيذية والعاملين في الشؤون المالية والامتثال وقياس الأثر.

فالمنظمة قد تمتلك منصة إلكترونية وأدلة تنظيمية واضحة، لكنها لن تحقق الامتثال الحقيقي ما لم تمتلك كوادر قادرة على قراءة المتطلبات، وإعداد السياسات، وإدارة المخاطر، وبناء التقارير المالية، وتحويل المؤشرات إلى قرارات.

ولهذا ينبغي ألا يُفهم بناء القدرات بوصفه دورات تدريبية منفصلة، بل مسارًا مؤسسيًا مرتبطًا بنتائج تقييم المنظمة؛ فكل فجوة تظهر في السلامة المالية أو الشفافية أو الإدارة يجب أن تقابلها خطة تطوير تستهدف السبب، لا مجرد معالجة النموذج المطلوب.

الحوكمة وسيلة للأثر وليست غاية

سجل القطاع في عام 2025 وصول نسبة الإنفاق التنموي إلى 76.2% من إجمالي إنفاقه، وارتفاع نسبة رضا المستفيدين إلى 90%، ووصول نسبة المنظمات الداعمة للأولويات التنموية إلى 97%.

ولا تثبت هذه الأرقام وحدها وجود علاقة سببية مباشرة بين الحوكمة وتحسن النتائج، لكنها توضح أن تطوير البيئة التنظيمية يتزامن مع ارتفاع مؤشرات التوجه التنموي وجودة الخدمات.

وتبقى القيمة النهائية للحوكمة في قدرتها على ضمان وصول الموارد إلى أهدافها، وتقليل الهدر والمخاطر، وحماية حقوق المستفيدين، وتحسين القرارات، وليس في تحقيق درجة مرتفعة في نموذج التقييم فقط.

التحدي المقبل: امتثال يصنع قيمة

تكشف قراءة مسار التنظيم والتمكين خلال 2025 أن القطاع غير الربحي يتجه نحو نموذج أكثر مؤسسية، يقوم على التشريعات المحدثة، والخدمات الرقمية، والتقييم المبني على المعايير، والإفصاح المالي والإداري.

إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الامتثال الشكلي إلى الامتثال المنتج للقيمة؛ بحيث لا تكتفي المنظمة برفع الوثائق واستكمال المتطلبات، بل تستخدم الحوكمة لتطوير خدماتها، وإدارة مخاطرها، وتعزيز استدامتها، وقياس أثرها الاجتماعي.

كما يتطلب اتساع القطاع استمرار تبسيط رحلة المستفيد، وربط نتائج التقييم ببرامج بناء القدرات، ومراعاة الفروق بين المنظمات، وتطوير أدوات إنذار مبكر ترصد المخاطر قبل تحولها إلى مخالفات أو أزمات.

«الحوكمة الناجحة لا تزيد عدد النماذج؛ بل ترفع قدرة المنظمة على حماية مواردها وتحقيق أثرها».

عهود الزهراني

محررة ومراسلة ميدانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى