الحلقة 9
ثمة قراءات لا تنتهي بانتهاء صفحاتها، بل تظل كامنة في أعماق الذاكرة، تستيقظ كلما أيقظها موقف أو صورة أو حديث عابر. وما يقرؤه الإنسان في صغره، ويتأثر به ويتفاعل معه، يبقى محفوظًا في عقله الباطن، يطل برأسه حينًا، ويتوارى حينًا آخر، حتى تأتي اللحظة التي يكتشف فيها أن تلك البذور الصغيرة قد صنعت جانبًا كبيرًا من مستقبله.
ولا أزال أذكر بشغف قراءاتي الأولى في الكتب والمجلات العربية والخليجية التي كانت تصل إلى بيتنا عن طريق والدي أو أخي الأكبر؛ فقد كانت القراءة جزءًا أصيلًا من حياتنا اليومية، وكانت الكتب تعامل في منزلنا بوصفها نافذة على العالم. ولم أكن أدرك آنذاك أن تلك الصفحات ستفتح أمامي أبوابًا لم أكن أتخيلها، وأن القراءة ستصبح شغفي الأول، ثم تتحول الكتابة إلى محور اهتمامي، وركنًا ثابتًا في مشواري الصحفي.
ولعل أجمل ما قادتني إليه تلك القراءات المبكرة كان التعرف على رائد الرياضة السعودية ومؤسس نهضتها الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله-. فقد انتقلت بعد المرحلة الابتدائية من المدرسة “الفيصلية” إلى مدرسة “الفلاح” المتوسطة، وذات يوم ذهبت إلى سوق “الندى” في جدة لشراء بعض المستلزمات المدرسية. وبينما كنت أتجول بين المحال، استوقفتني مكتبة صغيرة تتقدمها طاولة خشبية ازدحمت بالكتب والمجلات. ولمحت بينها كتابًا أنيق الغلاف يحمل اسم “الاتحاد” وصور عدد من لاعبيه.
تناولت الكتاب بدافع الفضول، وبحكم عشقي لهذا الفريق، فإذا به كتاب رياضي وثائقي بعنوان “الاتحاد في التاريخ ” للكاتب والمؤرخ الراحل الدكتور محمد أمين ساعاتي -يرحمه الله-. وما إن تصفحت صفحاته حتى شعرت بأنني عثرت على كنز حقيقي؛ فاشتريته على الفور، وكان أول كتاب رياضي أقتنيه وأقرأه في حياتي، ولا أزال أحتفظ به حتى اليوم باعتباره قطعة من ذاكرتي الشخصية، وأصدق المراجع عن بدايات الرياضة السعودية.
صدر هذا الكتاب عام 1382هـ (1962م)، ويُعد اليوم من النوادر التي يصعب العثور عليها. ورغم أنه يوثق تاريخ الاتحاد منذ تأسيسه، ويستعرض بطولاته وإنجازاته في تلك المرحلة، فإن مؤلفه أفرد صفحات عديدة للحديث عن الأمير عبدالله الفيصل، باعتباره رائد الرياضة السعودية ومؤسسها، وراعي الأندية وداعم الرياضيين. ومن خلال تلك الصفحات تعرفت لأول مرة على ملامح من هذه الشخصية الاستثنائية، دون أن يخطر ببالي أن تلك المعرفة المبكرة ستتحول، بعد سنوات طويلة، إلى مشروع آخر يقودني إلى لقائه شخصيًا والحوار معه والبحث في سيرته، وتأليف كتاب يوثق مسيرته الوطنية والرياضية.
ولعل موضوع حلقة اليوم عن ملاعب كرة القدم قبل التأسيس الرياضي المنظم وبعده هو الذي أعاد إلى ذاكرتي تلك الصور التاريخية التي ضمها الكتاب لمباريات الاتحاد أمام الوحدة والأهلي والهلال البحري وغيرها، يوم كانت المباريات تُقام على الملاعب الترابية، وفي مقدمتها ملعب الصبان بجدة، وساحة إسلام بمكة المكرمة.
كما أعاد إليّ ذكريات طفولتي وأنا أسير على قدمي من منزلنا في حارة الهنداوية إلى ملعب الصبان، الكائن جنوب شارع الميناء، وعلى مرمى حجر من مدرسة البحر الأحمر المتوسطة، لأتابع مباريات الاتحاد بشغف لا يعرفه إلا أبناء ذلك الجيل.
ولا تغيب عن ذاكرتي صورة الأمير عبدالله الفيصل -يرحمه الله- وهو يحضر بعض المباريات التي كانت تقام على ملعب الصبان ويرعاها بنفسه. بل إنني أتذكر أيضًا أنه، بعد ابتعاده عن المناصب الرسمية واحتضانه للنادي الأهلي، كان يحرص على زيارة بعض ملاعب الأحياء، ومنها حي الهنداوية، الذي كان يزخر بالمواهب الكروية وملاعب أخرى في طريق المدينة وكان سموه يتوقف بسيارته دقائق معدودة، يراقب بعض المباريات من داخلها، ثم يغادر وسط ترحيب ومحبة الجماهير، في مشهد يعكس عمق علاقته بالرياضة وحرصه على متابعة مواهبها أينما كانت.
ولهذين الملعبين، الصبان وساحة إسلام، حكاية خاصة مع الأمير عبدالله الفيصل، بدأت يوم شرع في وضع اللبنات الأولى للتأسيس الرسمي للرياضة السعودية؛ وهي الحكاية التي سنرويها في هذه الحلقة.
• رؤية الرائد بدأت من ملعب “الصبان”
قبل أن يشرع الأمير عبدالله الفيصل في تنفيذ مشروعه النهضوي لتنظيم الرياضة، كان يدرك أن نجاح هذا المشروع يقتضي، أولًا وقبل كل شيء، معالجة أبرز العقبات التي كانت تكبل حركة النشاط الرياضي والفرق الكروية. وفي مقدمة تلك العقبات جاءت أزمة الملاعب؛ إذ كانت المباريات تُقام في ساحات ترابية مفتوحة، تفتقر إلى أبسط المواصفات النظامية، ولا تتوافر فيها مقومات السلامة أو التنظيم، الأمر الذي جعلها عاجزة عن احتضان نشاط رياضي يطمح إلى النمو والاستقرار.
ومن هنا بدأ سموه يفكر بعقلية رجل يستشرف المستقبل، ويؤمن بأن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح من دون بنية تحتية متينة يستند إليها. ففي عام 1370هـ (1950م)، اتخذ خطوة تُعد من أبرز المحطات في تاريخ الرياضة السعودية، حين منح أرضه الواقعة في الجزء الجنوبي من مدينة جدة للشيخ عبدالرحمن سرور الصبان، الذي تولى تسويرها وإنشاء مدرجاتها، بينما شارك في تخطيط الملعب عدد من رواد الحركة الرياضية، من بينهم عمر شمس، وخليل التاودي، وأحمد الإدريسي، ومصطفى منصور. وهكذا أبصر النور أول ملعب نظامي في جدة، الذي عُرف لاحقًا باسم ملعب الصبان.
ولم يقتصر أثر هذا المشروع على توفير ملعب نظامي تقام عليه المباريات، بل امتد إلى ترسيخ مفهوم جديد لدعم الأندية ماليًا. فبتوجيه من الأمير عبدالله الفيصل، خُصص ثلث إيرادات المباريات لإدارة الملعب، فيما وُزِّع الثلثان على الفريقين المشاركين، في أول تنظيم يتيح للفرق موردًا ماليًا ثابتًا يعينها على مواصلة نشاطها، وتطوير إمكاناتها، وتعزيز استقرارها.
كما أسهم إنشاء الملعب وتسويره في الحد من مظاهر الفوضى والشغب الجماهيري التي كانت كثيرًا ما تعكر صفو المباريات المهمة، بفضل ما وفره من تنظيم أفضل للمنافسات، وضبط لحركة الجماهير، ليصبح أثره أعمق من مجرد منشأة رياضية، إذ أسهم في ترسيخ ثقافة رياضية أكثر انضباطًا وتنظيمًا.
ولم تتوقف رؤية الأمير عبدالله الفيصل عند حدود جدة، بل امتدت إلى مكة المكرمة، حيث وجّه السيد إبراهيم إسلام إلى إنشاء ملعب رياضي مماثل، فتم إنجازه عام 1374هـ (1954م)، لتتسع بذلك دائرة التطوير، وتتهيأ المدينتان الرئيسيتان في المنطقة الغربية لمرحلة جديدة من التنظيم الرياضي.
غير أن طموح الرائد المؤسس لم يكن يتوقف عند إنشاء ملعبين لإقامة المباريات، بل كان يؤمن بأن النهضة الرياضية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا امتلكت الأندية ملاعبها الخاصة، تمارس عليها تدريباتها اليومية، وتستضيف منافساتها، وتفتح من خلالها المجال لممارسة ألعاب رياضية جديدة. ومن هذا المنطلق، تقدم بعدة طلبات إلى الجهات المختصة لتخصيص أراضٍ تُمنح للأندية وتصبح ملكًا لها بصورة رسمية، إلا أن تلك المبادرة، على أهميتها وما عكسته من بُعد نظر، لم تجد في ذلك الوقت التجاوب الذي كان يأمله.
• إعلان التصدي للشغب والانفلات
كأي ظاهرة اجتماعية جديدة لم تحظَ بتنظيم واضح، كان من الطبيعي أن تقع الرياضة الناشئة بين شقي رحى الفوضى بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وهذا ما كان عليه حال النشاط الرياضي في المملكة قبل التأسيس والتنظيم الرسمي؛ إذ لم تقتصر الفوضى على الجوانب الإدارية أو التنظيمية، بل امتدت إلى المدرجات، حيث كانت الجماهير تتفاعل مع المباريات بحماس يفتقر أحيانًا إلى الوعي الرياضي والانضباط.
وكانت المباريات تشهد تدخلات من بعض الجماهير تُفسد أجواء المنافسة، سواء بإطلاق الألفاظ النابية على الحكام واللاعبين، أو بالاشتباك معهم، بل وبالاعتداء فيما بينهم، في مشاهد لا تنسجم مع الرسالة التربوية التي ينبغي أن تؤديها الرياضة.
ولم تغب هذه الظاهرة عن اهتمام رائد الرياضة السعودية الأمير عبدالله الفيصل، الذي جعل من محاربتها أحد أهداف مشروعه الإصلاحي. فكان يحرص، بين الحين والآخر، على توجيه النصح والإرشاد، والدعوة إلى الالتزام بالروح الرياضية، سواء في لقاءاته برؤساء الفرق، أو في كلماته التي يلقيها في المناسبات الرياضية، مؤكدًا ضرورة أن يتحلى اللاعبون والجماهير بالأخلاق الرياضية، وأن يكون التشجيع حماسيًا دون أن يتحول إلى شغب أو إساءة أو تجاوز.
ومع اتساع نطاق هذه الظاهرة، أعلن الأمير عبدالله الفيصل بداية المواجهة الحاسمة معها، وذلك في أول تصريح صحفي له تناول هذه القضية، نشرته جريدة البلاد في 9/6/1370هـ، حيث قال:
“لقد لاحظت في عدة مباريات أن بعض أفراد الجمهور ممن لا يفهم الرياضة ولا يقدرها، وإنما يشجعها عن تحزب أعمى وتحيز بغيض، ويستعمل في هذا ألفاظًا نابية وتعليقات تجافي الذوق والأدب، أو يقوم ببعض الحركات التي من شأنها الإخلال بالنظام، ولذلك فإنني لن أتسامح بعد اليوم مع هؤلاء، بل سآخذهم بمنتهى الشدة والصرامة عندما يبدو من أحدهم أي شيء مما أشرت إليه، وسأعاقبهم بالعقوبة الرادعة.”
وجاء أول تجاوب عملي مع هذا التصريح في مباراة الاتحاد والوحدة التي أقيمت يوم 13/6/1370هـ، إذ وجّه فريق الوحدة نداءً إلى جماهيره يناشدهم فيه التحلي بالروح الرياضية، حتى تكون المباراة نموذجًا يرتقي بسمعة الرياضة إلى المستوى الذي ينبغي أن تكون عليه. وفي المقابل، رحب الاتحاد بفريق الوحدة عبر مكبر الصوت، ثم دخل الفريقان أرض الملعب معًا، وتبادلا الهتافات الودية، والتقطا الصور التذكارية، كما التقط إداريّو الفريقين صورة تذكارية مع رائد الرياضة الأمير عبدالله الفيصل، الذي رعى تلك المباراة.
• عقوبة وردع في وسط الملعب
ولم يكتف الأمير عبدالله الفيصل بالتوجيه والتوعية، بل كان يؤمن بأن بعض الممارسات لا يردعها إلا تطبيق النظام بحزم. وفي حديثه عن خروج بعض الجماهير عن حدود الأدب في التشجيع، قال:
“هذه الظاهرة من أكبر السلبيات التي كنت أحاول القضاء عليها في ملاعبنا. فذات مرة، وأثناء سير إحدى المباريات التي حضرتها، تبادل اثنان من المتفرجين الشتائم والألفاظ النابية، حتى أدى الأمر إلى تشابكهما بالأيدي، فأمرت بإيقاف المباراة وإحضارهما إلى وسط الملعب، وأمرت بمعاقبتهما أمام الجميع، وطردهما من الملعب، ثم استأنفت المباراة بعد ذلك.”
ويضيف سموه:
“وبعدها بفترة طبقت نفس العقاب مع آخرين، فكان علاجًا ناجحًا لهذه الظاهرة لسنوات عديدة. وهذا هو مبدئي؛ فالمتفرج الجاهل الفوضوي لو وضعته في السجن عشر سنوات لخرج بعدها وكرر الخطأ نفسه، لكن إذا عوقب بعقوبة بسيطة أمام الناس، فإنها تكون رادعة له، وعبرة لغيره.”.



