الحلقة 8
في كل حكاية خيط لابد أن يقود إلى بدايتها ويندرج في فصولها. وإذا كانت جدة قد شقت طريقها مبكراً نحو تكوين الفرق وتنظيم المباريات، وفق ما يقوله المؤرخون فإن مكة المكرمة كانت سباقة إلى ممارسة اللعبة وكتبت فصولاً أخرى من قصة الكرة السعودية، حيث امتزجت المبادرات الأهلية بالحماس الشعبي لتولد فرق حملت أحلام جيل كامل. ومن بين تلك التفاصيل تبرز ملامح المشهد الذي سبق النهضة الرياضية الكبرى، قبل أن يأتي الأمير عبدالله الفيصل ليمنح تلك البدايات المتفرقة مشروعاً وطنياً متكاملاً.
تأسيس الوحدة .. بين الرسمي والرواية
كنت في الحلقة السابقة قد مررت سريعاً على نشأة الفرق الرياضية في جدة، واليوم نسلط الضوء على الفرق التي ظهرت في “مكة المكرمة” باعتبارها من أوائل المدن التي عرفت ممارسة كرة القدم في الحجاز، بل سبقت غيرها في احتضان تجاربها الأولى وفق ما ورد في بعض المصادر ومنها كتاب “تاريخ الرياضية في المملكة” للدكتور أمين ساعاتي – يرحمه الله – والذي كتب مقدمته مؤسس الرياضة الأمير عبدالله الفيصل – يرحمه الله – مما يعزز مصداقية الكتاب ويجعله مرجعية موثوقة كما أنه صدر في عام 1389 هـ وهذا يعني أنه قريب عهد بنشأة الرياضة وتأسيسها.
وقد أشار “أمين التاريخ” إلى أن الجالية الإندونيسية كان لها حضور لافت في تلك المرحلة، أسهم في تكوين عدد من الفرق، كان أبرزها فريق “الفادن والملايا” ومع انضمام عدد من شباب مكة إليه، تغير اسمه عام 1348هـ إلى “الملايا حجاز”، قبل أن يزداد عدد اللاعبين السعوديين في صفوفه، فقرروا الانفصال عنه وتأسيس فريق جديد حمل اسم “الأهلي”، ليصبح أول فريق سعودي يؤسس في مكة المكرمة.
وجاء بعده فريق “الوطن” الذي تأسس عام 1350هـ على يد حسين حلواني، واقتصر الانضمام إليه على اللاعبين السعوديين فقط. وقد نشأت بينه وبين فريق الاتحاد في جدة علاقة وثيقة، بلغت حد التحالف الرياضي، حتى اختار لشعاره اللونين نفسيهما اللذين اشتهر بهما الاتحاد الأصفر والأسود، في دلالة واضحة على متانة تلك العلاقة.
أما فريق “الوحدة”، فقد تأسس عام 1366هـ، وهو التاريخ الذي تم إعتماده عند تسجيل الاندية رسمياً في إدارة الشؤون الرياضية بوزارة الداخلية أوائل السبعينات الهجرية، وظل هذا التاريخ هو المعتمد لدى كافة الجهات الرسمية التي تعاقبت بعد ذلك وتولت الاشراف على قطاع الشباب والرياضة إلى أن أصبحت وزارة الرياضة في هذا العهد الزاهر، ونشير هنا إلى كتاب وثائقي صدر عن الرئاسة العامة لرعاية الشباب حيث تطرق إلى الفترة التي تأسس فيها نادي الوحدة “اواخر الستينات” بإسم “الحزب” ثم جرى تغييره إلى “الوحدة” كما يتناول الكتاب جانباً من سيرة أول رئيس للنادي وهو “أحمد عبدالحليم قاروت”. ( مرفق صورة الكتاب )
ليس هذا فحسب بل إن كبار الوحداويين أنفسهم أستندوا إلى هذا التاريخ عندما قرروا في عام 1417هـ الاحتفال بمناسبة مرور خمسين عاماً على تأسيس النادي وقد تلقيت شخصياً دعوة خاصة لحضور هذا الاحتفال التاريخي وأطلعت على الكتاب الوثائقي الذي صدر بهذه المناسبة.
ورغم هذه الثوابت التاريخية التي امتدت لعقود وعدة أجيال إلا أنه ظهر مؤخراً طرح جديد يشير إلى أن تاريخ تأسيس “الوحدة” كان في عام 1334هـ، ويستند في ذلك إلى بعض الشهادات الشفهية لشخصيات رياضية هي محل احترام وتقدير بالاضافة إلى قصاصات بعض الصحف وأشياء أخرى من هذا القبيل، غير أن هذا الطرح لم يُفضِ حتى الآن إلى شيء وظل التاريخ الرسمي لتأسيس النادي كما هو عليه في السابق 1366هـ وما زال التاريخ المطروح محل جدل عبر منصات التواصل الاجتماعي.
من فوضى الملاعب إلى مشروع الدولة
وحتى لا نبتعد عن المسار الرئيس لهذه السلسلة من المقالات، نعود إلى محور التأسيس الرياضي ورائده الأمير الشاب عبدالله الفيصل والمشهد الرياضي العام الذي كان يراقبه من الخمسينات إلى منتصف السبعينيات الهجرية. ففي تلك المرحلة كانت كرة القدم قد بدأت تنتشر ليس في الحجاز فحسب بل أيضاً في عدد من مناطق المملكة، ولا سيما في المنطقتين الوسطى والشرقية. غير أن هذا الانتشار لم يكن مصحوباً بتنظيم رسمي يوازيه، إذ ظلت اللعبة تعيش حالة من العشوائية والاجتهادات الفردية.
كانت النزالات الكروية بين الفرق تنبعث من روح وحماس الشباب وتحكمها غاية واحدة وهي الفوز بأي وسيلة، حتى وإن جاء على حساب الروح الرياضية. وأصبحت الخشونة المتعمدة مشهداً مألوفاً في كثير من المباريات، في ظل ضعف واضح في مستوى التحكيم، وقلة الخبرة في إدارة اللقاءات، الأمر الذي أدى إلى كثرة الأخطاء، وزاد من حدة الاحتقان بين اللاعبين والجماهير، وأشعل بوادر التعصب والشغب، وتسبب في وقوع مشاجرات واشتباكات أفضت أحياناً إلى إصابات بالغة، بل وإلى إيقاف النشاط الكروي أكثر من مرة في مكة المكرمة وجدة.
ولعل من أبرز تلك الحوادث المباراة الشهيرة التي جمعت فريق الاتحاد بفريق الهلال البحري عام 1351هـ، حين تعرض لاعب الاتحاد هارون فيرا لكسر إثر احتكاك عنيف مع لاعب الهلال البحري صالح ميرابي . وما إن وقع الحادث حتى تحولت المباراة إلى ساحة للفوضى، وتبادل اللاعبون الركل واللكم والاشتباك بالأيدي، في مشهد يعكس حجم الفوضى التي كانت تعيشها كرة القدم في تلك المرحلة.
ولم تكن هذه العقبات وحدها هي ما يعرقل مسيرة الرياضة الناشئة؛ فقد افتقدت الساحة الرياضية إلى الملاعب النظامية، والمدربين المؤهلين، والبرامج الفنية القادرة على صقل المواهب وتطوير مستويات اللاعبين. كما واجهت الرياضة معارضة من بعض الجهات الرسمية، فضلاً عن تحفظ اجتماعي واضح، إذ كان كثير من أولياء الأمور يرفضون انضمام أبنائهم إلى الفرق الرياضية، بينما سادت لدى شريحة من المجتمع قناعة بأن كرة القدم ليست سوى مضيعة للوقت، ومدخلاً إلى اللهو والعبث، بل ذهب بعضهم إلى ربط ممارستها بالتقصير في أداء الواجبات الدينية، كإضاعة الصلاة أو تأخيرها عن وقتها.
كان ذلك الواقع الرياضي المضطرب، المثقل بالتحديات والسلبيات، بحاجة إلى أكثر من حلول مؤقتة تعالج مظاهر الخلل؛ فقد كان يحتاج إلى قائد لديه رؤية شاملة تعيد بناء المنظومة الرياضية من جذورها. وهنا برزت اللحظة الفاصلة في تاريخ الرياضة السعودية، حين قرر الأمير عبدالله الفيصل أن يتحمل مسؤوليته التاريخية، وأن يقود مشروعاً وطنياً طموحاً يخرج بالرياضة من دائرة الفوضى والاجتهادات الفردية إلى فضاء التنظيم والتخطيط والعمل المؤسسي.
البارجة التي أشعلت رغبة التأسيس
لم ينظر الأمير عبدالله الفيصل إلى الرياضة بوصفها منافسات تُقام داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل رآها مشروعاً وطنياً لصناعة الإنسان، وأداةً فاعلة لبناء الشخصية، وترسيخ قيم الانضباط، واحترام النظام، وتعميق روح الانتماء. ومن هذا المنطلق، اتجه إلى تأسيس تنظيم رسمي يتولى قيادة الحركة الرياضية، ويضع لها الأطر الإدارية والتنظيمية الكفيلة بصناعة مستقبلها، واضعاً نصب عينيه أهدافاً واضحة، تتجاوز حدود الفوز والخسارة إلى بناء جيل يؤمن بقيمة العمل، ويحسن تمثيل وطنه في الميادين الرياضية.
ويقول الأمير عبدالله الفيصل عن هذا:
– تأثرت كثيراً للوضع المتردي الذي كانت تعيشه الرياضة في أواخر الستينات الهجرية، وحز في نفسي تعدد الظروف الصعبة التي كانت تواجهها، واستغربت نظرة المجتمع لهذه الظاهرة الصحية، ورأيت من الضروري تصحيح هذه النظرة لما قد يترتب عليها من سلبيات لو استمرت.
وأذكر أن إحدى البوارج جاءت إلى جدة وفيها فريق كروي وأراد فريق الاتحاد إقامة مباراة معهم فطلبوا مني حضور تلك المباراة فحضرتها فعلا ومن هذه المباراة زادت رغبتي في تنظيم الرياضة، وكان اكبر همي في ذلك الوقت الحصول على الاعتراف الرسمي بالرياضة وممارستها إلى أن حصلت على الموافقة الرسمية بتنظيم شئون الرياضة عن طريق وزارة الداخلية ثم حصلت على الموافقة الرسمية بإنشاء الإدارة العامة للرياضة البدنية والكشفية بوزارة الداخلية؛ وتم تعيين عبدالحق مال مديراً لهذه الادارة واستقدمت الخبير الرياضي مصطفى كامل منصور للمساهمة في وضع أول نظام للرياضة، وخصصنا لهذه الإدارة مكتباً في نفس المبنى الذي كان يضم مكاتب وزارة الداخلية بمكة المكرمة.
• وسألت العم حمزة فتيحي عن مباراة الاتحاد مع البارجة فقال:
– كان فريق الاتحاد يعاني من قلة المباريات لعدم وجود فرق أخرى محلية منافسة في تلك المرحلة المبكرة من تأسيسه ثم قلة الفرق بعد ذلك فكنت أضطر أحياناً للذهاب إلى الميناء “البنط” أستفسر عن السفن والبوارج الحربية الراسية قريباً من ساحل جدة وتضم فرقاً رياضية وأعرف جنسيتها ثم أذهب إلى القنصلية إن كان لدولة تلك البارجة تمثيل دبلوماسي في جدة فأتفاوض معهم لإقامة مباريات ودية معها في محاولة لتنشيط الروح التنافسية لدى اللاعبين، ومن كثرة التردد على القنصليات أصبح العاملون فيها يعرفونني ويتجاوبوا معي لإقامة تلك المباريات، وكنت سعيداً بذلك تدفعني نزعة وطنية لمقارعة فرق أجنبية وتنشيط حماس اللاعبين وتنمية مهاراتهم وكان الاتحاد أول من قام بتنظيم هذا النوع من المباريات مع فرق البوارج الحربية، وكانت تحظى باهتمام الامير عبدالله الفيصل ويحضر ويرعى بعض تلك المباريات ويقدم جوائز وهدايا للاعبين دعماً منه للرياضة والرياضيين.




