انتقل إلى رحمة الله معالي الدكتور راشد بن راجح الراجح الشريف، أول مدير لجامعة أم القرى بعد استقلالها عن جامعة الملك عبدالعزيز، فرحل برحيله رجل دولة وأكاديمي من الطراز الرفيع، جمع بين القيادة الحكيمة والرؤية العلمية والخلق الكريم، فترك أثراً باقياً في ذاكرة كل من عرفه أو عمل معه أو تتلمذ على يديه.
حين أولته القيادة الرشيدة الثقة لإدارة جامعة أم القرى، قادها بعقلية المؤسس، وأسهم في ترسيخ مكانتها العلمية والأكاديمية، حتى غدت واحدة من أبرز الجامعات السعودية.
وقد كان لي مع الفقيد ذكريات لا تزال عالقة في الوجدان؛ فقد كان يحيطني بالنصح والتشجيع، ويغمرني بكريم الثناء.
وكنتُ، كلما انتهيت من محاضراتي المسائية وأنا طالبٌ في جامعة أم القرى، أؤثر الانتظار في رحاب الجامعة حتى يؤذن لصلاة المغرب، شوقًا للصلاة خلف معالي الدكتور راشد الراجح – رحمه الله – في مسجد الجامعة. فما إن يكبر للصلاة حتى يخيم السكون، ويأخذنا بصوته الخاشع وتلاوته العذبة إلى أجواءٍ إيمانيةٍ مهيبة، وكأن القرآن يتنزل على القلوب من جديد.
وأتذكر كذلك زيارته لنا أثناء فترة دراستي للدكتوراه في جامعة ويلز بالمملكة المتحدة، حيث اجتمع بالمبتعثين، وأوصانا بالاجتهاد في طلب العلم، وأن نكون خير سفراء لوطننا، وأن نعكس الصورة المشرقة للمملكة العربية السعودية في الغرب بعلمنا وأخلاقنا وسلوكنا.
لقد كان – رحمه الله – مثالاً للعالم المربي، والإداري الناجح، والإنسان المتواضع، فجمع بين العلم والإيمان، وبين الحزم والرحمة، وبين القيادة والتربية، ولذلك بقي أثره في النفوس قبل أن يبقى في المؤسسات.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه، ولجامعة أم القرى، ولطلاب العلم، وأن يجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.

