كتاب الرأي

مكة تُعلن نهاية زمن الوكلاء وبداية الردع المشترك

في لحظة اقليمية تتكاثف فيها التهديدات، وتتقاطع فيها مشاريع الهيمنة مع هشاشة بعض البُنى السياسية، لم يعد الأمن خيارا مؤجلا ولا ترفا قابلا للنقاش. فمن إيران التي تدير مشروعها التوسعي عبر الحرس الثوري وشبكات الوكلاء، الى أذرعها المسلحة في اليمن عبر ميليشيا الحوثي، وفي لبنان عبر حزب الله، وفي العراق عبر الفصائل المرتبطة بها، يتشكل محور ذو بنية صلبة يقوم على تقويض الدول الوطنية واحتكار قرار السّلم والحرب خارج مؤسساتها، وفرض وقائع بالقوة. وهذا المحور لا يبني استقرارا، بل يُدير الفوضى ويوظفها، مستثمرا الفراغات الأمنية والانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذه.

وفي قلب هذا المشهد المتوتر، يبرز فعل سياسي يحمل رمزية المكان وقوة اللحظة. ففي مساء مكّيّ يفيض نورا ويغسل القلوب بطمأنينة لا تُشبه الا نفسها، وقع اتفاق يشبه المكان الذي احتضنه؛ اتفاق لا تكتب بنوده بالحبر وحده، بل بروح منسوجة من تأريخ طويل من وحدة الصف، ومن يقين بأن القوة حين تتحالف تصبح حصنا لا تُهدم أركانه.
في مكّة المكرّمة، وبين ظلال الحرم، التقت السعودية وتركيا وباكستان على كلمة سواء؛ كلمة تعيد للأمن الاسلامي هيبته، وللردع الجماعي معناه، وللتحالفات وزنها الذي لا يزول. بدأ المشهد كأنه استعادة لدرس قديم، بأن الامة حين تتفرق تنهكها الرياح، وحين تتماسك تصبح هي الريح.

اتفاق مكة ليس مجرد وثيقة؛ انه اعلان نوايا صادقة بأن زمن الانفراد قد طُوِي، وأن مواجهة المشروع الايراني ووكلائه لا تكون بالخطابات، بل بتوحيد الموقف، وتنسيق الإرادة، ورصّ الصفوف في وجه كل من يعبث بأمن المنطقة او يستبيح استقرارها. وهو ترجمة عملية لمفهوم الردع الجماعي؛ حيث لا يعود الاعتداء، سواء عبر صواريخ الميليشيات او الهجمات غير المتكافئة، حادثا موضعيا، بل اختبارا لإرادة منظومة كاملة.

وعلى المستوى العملي، يتأسس هذا التحالف على ركائز عسكرية تتجاوز الرمزية الى الفاعلية؛ إذ يجري العمل على إنشاء الية قيادة مشتركة تنسق التخطيط والانتشار وتسرع اتخاذ القرار في حالات الطوارئ، وتفعيل منظومة تبادل استخباري متقدمة تُوحِّد تقدير الموقف وتُحسن الانذار المبكر، الى جانب تكامل منظومات الدفاع الجوي والصاروخي بما يوفر مظلة حماية مشتركة في مواجهة التهديدات الباليستية والطائرات المسيرة. كما يشمل ذلك تطوير قابلية التشغيل البيني عبر تدريبات مشتركة منتظمة، وتوحيد بعض معايير التسليح والاتصال، بما يضمن انتقالا فعليا من التنسيق السياسي الى الجاهزية الميدانية.
وفي مكة، حيث تتساوى القلوب قبل ان تتساوى الأقدام، بدأ الاتفاق كأنه امتداد لرسالة المكان، بأنّ ان الوحدة ليست شعارا، ولكنها فعل يتجسد في لحظة تأريخية كهذه؛ لحظة تعيد رسم ملامح المستقبل، وتمنح العالم الاسلامي صوتا أكثر تماسكا في زمن تتكاثر فيه الاصوات المتنافرة.

هكذا، خرج اتفاق مكة من عباءة الجغرافيا الى فضاء المعنى؛ تحالف لا يكتفي بردع العدوان، بل يؤسس لمعمار أمنى جديد يقوم على مواجهة الحروب غير المتكافئة، وتحييد تهديدات الوكلاء، وبناء قدرة مشتركة على حماية الممرات الحيوية واستقرار الدول. انه انتقال من رد الفعل الى الفعل، ومن ادارة الازمات الى صناعة التوازن.
ولأن مكة لا توقع الا ما يليق بها، جاء الاتفاق كأنه دعوة الى المستقبل؛ مستقبل تُصاغ فيه التحالفات بمنطق القوة المسؤولة، وتُقرأ فيه القوة بوصفها التزاما، وليس غلبة؛ وتفهم فيه الوحدة بوصفها ضرورة استراتيجية، وليست خيارا سياسيا.

ختاماً..
إن اتفاق مكة للدفاع المشترك ليس نهاية مسار، بل بدايته؛ بداية مرحلة يُعاد فيها تعريف الأمن الاقليمي على أساس الشراكة وليس الانفراد، والرّدع وليس الاسترضاء. إنها رسالة واضحة لإيران ووكلائها، بأن زمن العمل عبر الظلال يتقلص، وان كلفة العبث بأمن الدول سترتفع الى حد لا يحتمل
توازن جديد يتشكل، لا يقوم على اشعال الحروب، بل على اغلاق ابوابها وجعلها خيارا خاسرا سلفا؛ حيث تتقدم الارادة قبل القوة، ويصان الاستقرار بوصفه مصلحة مشتركة، وليس ساحة للصراع.
{رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَات}

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى