التاريخ ليس سجلًا للماضي، بل منهجٌ لاستنطاق الواقع، وفهم حركة الأمم والدول، واستشراف مآلاتها. فكلما أُحسنَت قراءته، كشف أن الأحداث الكبرى لا تُفسَّر بلحظتها الآنية، وإنما بسياقاتها الممتدة، وبالمصالح التي صنعتها، وبالنتائج التي أفضت إليها. ولهذا لا يقف المؤرخ عند ظاهر الوقائع أو الخطابات السياسية والإعلامية، بل ينفذ إلى ما وراءها؛ لأن التاريخ لا ينشغل بما يُقال بقدر انشغاله بما يبقى أثره في مسيرة الأمم والدول.
ومن هذا المنطلق يبرز سؤال تاريخي ظل حاضرًا منذ ما يقارب نصف قرن: كيف بقي النظام الإيراني منذ عام 1979، رغم القطيعة مع الولايات المتحدة، والعقوبات الاقتصادية، والتهديدات العسكرية المتكررة، في حين انتهت أنظمة أخرى في المنطقة إلى السقوط بفعل التدخل الخارجي، كما حدث في العراق وليبيا؟ وليس المقصود من هذا التساؤل الدفاع عن نظام أو إدانته، وإنما محاولة قراءة منطق السياسة الدولية كما يكشفه التاريخ، لا كما تصوره الشعارات أو الانفعالات الآنية.
لقد علمنا التاريخ أن العلاقات الدولية لا تُبنى على عداوات دائمة ولا على تحالفات أبدية، وإنما على المصالح وتوازنات القوة. فالدول الكبرى تعيد تشكيل تحالفاتها كلما تبدلت موازين النفوذ، وقد تفاوض خصومها، أو تحتويهم، أو تواجههم، وفقًا لما تقتضيه استراتيجياتها. ومن ثم فإن قراءة الأحداث بمعيار الصديق والعدو وحده كثيرًا ما تحجب الرؤية التاريخية الأوسع، التي تكشف أن المصالح كانت، وما تزال، العامل الأكثر ثباتًا في حركة السياسة الدولية.
وعند تأمل ما شهدته المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة، يلاحظ المؤرخ أن التحول الأخطر لم يكن في تبدل الأنظمة السياسية فحسب، بل في تراجع مفهوم الدولة الوطنية نفسها. فقد برزت في عدد من الأقطار ميليشيات وجماعات مسلحة امتلكت من القوة والنفوذ ما جعلها تنازع الدولة اختصاصاتها، حتى أصبح القرار السياسي والعسكري في بعض البلدان موزعًا بين المؤسسات الرسمية وقوى موازية، فتحولت السيادة إلى سيادة منقوصة، وغدت بعض هذه الجماعات تمثل واقعًا أقرب إلى «الدولة داخل الدولة». ولم يكن أثر هذه الميليشيات مقتصرًا على زعزعة الاستقرار، بل تجاوز ذلك إلى إطالة أمد النزاعات، وتعميق الانقسامات، واستنزاف مقدرات الدول، وإضعاف مؤسساتها، وتعطيل مسارات التنمية، حتى أصبحت في كثير من الحالات عاملًا رئيسًا في التخلف والتأخر والتناحر والدمار، وأحد أبرز العوائق أمام بناء الدولة واستعادة سيادتها. وقد تجلت هذه الظاهرة بدرجات متفاوتة في العراق ولبنان واليمن، كما شهد السودان تكوينات مسلحة أسهمت في تعقيد المشهد الداخلي، وإن اختلفت ظروف نشأتها وطبيعة ارتباطاتها.
ولا يخفى أن إيران تعلن دعمها لعدد من الفصائل المسلحة في المنطقة ضمن ما تسميه «محور المقاومة»، كما أن تصريحات بعض مسؤوليها عكست إدراكًا لاتساع نفوذها الإقليمي. ومن أشهر تلك التصريحات ما صدر عام 2015 عن مستشار الرئيس الإيراني الأسبق علي يونسي، عندما تحدث عن النفوذ الإيراني في أربع عواصم عربية، وهو تصريح أثار آنذاك ردود فعل واسعة، وعُدَّ لدى كثير من المراقبين تعبيرًا عن مشروع نفوذ إقليمي يتجاوز حدود العلاقات التقليدية بين الدول.
وفي المقابل، ظل الدعم الغربي لإسرائيل أحد أكثر الثوابت استقرارًا في السياسة الدولية، رغم اختلاف الإدارات وتبدل التحالفات. وهذا يدفع إلى قراءة أعمق لطبيعة النظام الدولي الذي تحكمه اعتبارات القوة والمصلحة أكثر مما تحكمه المبادئ المعلنة. ومن هذا المنظور، يرى بعض المحللين أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُدار ضمن حسابات تتعلق بإعادة رسم موازين القوة في الإقليم، بينما يرى آخرون أنها مواجهة حقيقية، لكنها محكومة بسقوف تمنع تحولها إلى صدام شامل. ومهما اختلفت التفسيرات، فإن التاريخ يؤكد أن القوى الكبرى كثيرًا ما تدير الصراعات بما يحفظ مصالحها ويحول دون اختلال التوازنات التي تراها ضرورية.
إن القراءة التاريخية لا تدعو إلى الارتهان للروايات السائدة، ولا إلى الانجراف وراء الانفعالات العابرة، بل تدعو إلى فهم حركة المصالح، واستيعاب التحولات، واستخلاص العبر من تجارب الأمم. فالتاريخ لا يكرر نفسه بحذافيره، لكنه كثيرًا ما يعيد إنتاج أنماط القوة والصراع بأدوات جديدة، ويبقى الوعي التاريخي هو السبيل الأقدر إلى قراءة الواقع بعيدًا عن الأوهام والانفعالات.
ولعل أهم ما يقدمه التاريخ للأمة العربية اليوم ليس الانشغال بتفسير سياسات الآخرين، وإنما استيعاب دروس التجربة وبناء مشروعها الحضاري. فالأمم التي تتفرق تتراجع، والدول التي تضعف مؤسساتها تصبح أكثر قابلية للاختراق، أما المجتمعات التي تتكامل في رؤيتها وتتوحد في مصالحها فإنها تكون أقدر على حماية سيادتها وصناعة مستقبلها. ومن هنا فإن المرحلة الراهنة تستدعي وعيًا عربيًا جديدًا يؤسس لوحدة اقتصادية تعزز الاعتماد المتبادل، وتكامل ثقافي يحفظ الهوية، وتضامن اجتماعي يرسخ قوة المجتمعات، وتنسيق سياسي وأمني يجعل الدفاع عن أمن أي دولة عربية جزءًا من أمن الأمة كلها. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تصنع مكانتها بالاعتماد على توازنات الآخرين، وإنما تبنيها بوحدة إرادتها، وتكامل مصالحها، وقدرتها على تحويل الأخطار المشتركة إلى مشروع حضاري جامع، يحفظ الكرامة والسيادة، ويصنع المستقبل.


