المسيرات الشعبية ليست ظاهرة جديدة على المجتمعات، فقد عرفها الناس منذ القدم وسيلةً للتعبير في بعض المناسبات والاحتفالات، وتكون على هيئة دخول جماعي منظم للمشاركين في المسيرة، تصاحبها الأهازيج والحركة الجماعية، واختلفت أشكالها وتسمياتها من منطقة إلى أخرى. وهي في أصلها تعبير عن الفرح والتلاحم والمشاركة الجماعية، ولا تحمل بالضرورة أي معنى للتعصب أو الاستقطاب. لكن المشهد يختلف عندما تنتقل المسيرة من الاحتفاء بالمناسبة إلى الحشد باسم القبيلة، ومن المشاركة في فرح إلى استعراض العدد والعتاد والحضور، ثم تبدأ قبيلة في تنظيم مسيرة فتتبعها أخرى وثالثة، وكأننا أمام منافسة غير معلنة: من الأكثر عددًا؟ ومن كانت مسيرته أكبر؟ ومن كان حضوره أقوى؟ وغيرها من أسئلة المفاضلة!
المسيرة سوف تنتهي في الشارع خلال سويعات، لكن في عصرنا الحاضر، ستبدأ حياة أخرى على الهاتف تمتد أيامًا وربما أكثر. مقطع مصور ينتشر، يتبعه تعليق يمجد قبيلة، ثم مقارنة بمسيرة قبيلة أخرى، ثم رد بمقطع جديد، لتنتقل المسألة من فرحة محدودة في مكان وزمان إلى منافسة يشاهدها ويتفاعل معها مئات الآلاف. ووسائل التواصل بطبيعتها تضخم الأكثر إثارة؛ فالمسيرة الأكبر مشاهدة تشجع على مسيرة أكبر منها، والمقطع الأكثر تداولًا يدفع آخرين إلى التقليد، وما يبدأ بعبارة (نفرح مثلهم) قد يتحول تدريجيًا إلى (نحن أكثر منهم) وهنا مكمن الخطر.
القضية ليست في نيات المشاركين، ولا في مسيرة بعينها، وإنما في المآلات! كثير من الظواهر الاجتماعية تبدأ بصورة عفوية وبريئة، ثم يغيرها التقليد والتنافس. وما إن تصبح المعادلة: (هم فعلوا ونحن سنفعل)، حتى نكون أمام ظاهرة مختلفة عن تلك التي بدأت بها الحكاية.
ولنا في بعض (مزايين الإبل) تجربة تستحق التوقف؛ فقد بدأت كمسابقات تراثية جميلة للاحتفاء بالإبل وموروثها، ثم تحول بعضها إلى مناسبات تحمل أسماء القبائل، ودخلتها المفاخرة والحشد والقصائد والشيلات، حتى ظهرت مخاوف من إثارة النعرات والعصبيات القبلية. ولم تكن المشكلة في الإبل أو الموروث، بل فيما نشأ حولهما من تنافس قبلي، ما استدعى التنظيم والضبط وتعزيز المهرجانات الوطنية الجامعة. والدرس هنا واضح: ليس كل ما يبدأ فرحًا أو موروثًا يبقى كذلك عندما تدخل عليه المنافسة والحشد.
إن التحذير من تحول المسيرات الشعبية إلى منافسات قبلية لا يعني الاعتراض على القبيلة، ولا على الاعتزاز بالنسب والموروث؛ فالقبيلة جزء أصيل من نسيج المجتمع السعودي، والاعتزاز بها حق مشروع. إنما الخشية من أن ينتقل هذا الاعتزاز من «أنا أفتخر بقبيلتي» إلى «قبيلتي أكثر وأقوى من غيرها». والأهم هو أثر ذلك على الجيل الجديد؛ فلا نريد أن تصنع وسائل التواصل في ذهنه مجتمعًا يقوم على سؤال: من نحن ومن هم؟ ومن الأكثر عددًا وحضورًا؟
خاتمة: –
السعودية اليوم تخوض سباقًا أكبر بكثير في الاقتصاد والتقنية والذكاء الاصطناعي والصناعة والسياحة والاستثمار وبناء الإنسان. وفي وطن يخوض هذا السباق، الأولى أن يكون سؤال كل مواطن: ماذا سأضيف إلى وطني؟ لا: كم شخصًا أستطيع أن أحشد خلف اسم قبيلتي؟ افتخر بقبيلتك، واحفظ تاريخها، وعلّم أبناءك مآثر أجدادهم وقيمهم الجميلة؛ فهذه عناصر ثراء في مجتمعنا وليست عناصر خلاف. لكن عندما نحشد، فلنحشد للوطن، وعندما نتفاخر، فلنتفاخر بما قدمناه له، وعندما نتنافس، فلنتنافس في خدمته. فالقبائل كثيرة، والمناطق متعددة، والموروثات متنوعة… لكن الوطن واحد، والراية واحدة، والاسم الذي يجمعنا جميعًا: السعودية.






