أحيانًا نحصر مفهوم الجودة في الشركات والمصانع والمستشفيات ونعتقد أنها مجرد إجراءات وسياسات ونماذج وشهادات تُعلّق على الجدران.
لكن الحقيقة أن الجودة تبدأ قبل كل ذلك بكثير… تبدأ من الإنسان.
تبدأ من البيت ومن طريقة تربية الطفل ومن أبسط التفاصيل التي نمارسها كل يوم.
عندما نعلّم الطفل أن يعيد ألعابه إلى مكانها، ويرتب سريره ويحافظ على كتبه ويؤدي واجبه بإتقان لا لمجرد أن ينتهي منه… فنحن هنا نزرع فيه أول بذور الجودة.
وحين نعلّمه أن العمل الذي يقوم به يستحق أن يؤديه بأفضل ما يستطيع فإننا لا نربيه على الكمال بل على الإتقان والإحسان والمسؤولية.
فالإتقان ليس مفهومًا إداريًا حديثًا بل قيمة إنسانية راسخة وقد حثّ عليها الإسلام ورسّخها في نفوس المسلمين.
قال الله تعالى:
> **﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾**
كما ورد في الحديث: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه).
وهنا يتضح لنا أن الجودة ليست مجرد أن ننجز العمل، وإنما أن ننجزه بطريقة صحيحة، وأن نحرص على أن يكون أفضل ما نستطيع تقديمه.
الجودة في التفاصيل الصغيرة
الجودة تظهر في أشياء قد يراها البعض بسيطة وغير مهمة.
الجودة أن تصل في موعدك.
أن تفي بوعدك.
أن تراجع رسالتك قبل إرسالها.
أن تعيد الشيء إلى مكانه بعد الانتهاء من استخدامه.
أن تحافظ على نظافة المكان وتتركه أفضل مما كان.
أن تقود سيارتك دون أن تؤذي الآخرين.
أن تعترف بخطئك وتسعى جاهدًا إلى عدم تكراره.
قد تبدو هذه التصرفات بسيطة لكنها عندما تجتمع تصنع إنسانًا يحترم الجودة ويعيشها في تفاصيل حياته.
فالجودة ليست دائمًا ماذا نفعل بل كيف نفعل ما نفعله.
من الصناعة إلى الثقافة
وعند الحديث عن الجودة لا يمكن أن نتجاهل التجربة اليابانية.
فبعد الحرب العالمية الثانية واجهت اليابان تحديات هائلة لكنها أدركت أن المنافسة لا تكون بكثرة الإنتاج فقط وإنما بجودة المنتج وتقليل الأخطاء واحترام العميل والتحسين المستمر.
ومع مرور الوقت، تحولت الجودة لديهم من مهمة يقوم بها قسم معين إلى ثقافة يشارك فيها المجتمع بمختلف مستوياته.
ولم تتوقف الفكرة عند المصانع والشركات، بل امتدت إلى المدارس وتدريب الأطفال على النظام والنظافة وتحمل المسؤولية والاهتمام بالتفاصيل منذ الصغر.
وقد شاهد كثير منا نماذج من ذلك من خلال ما قدمه الأستاذ أحمد الشقيري في برنامجه الشهير (خواطر)حين نقل لنا صورًا لافتة عن اهتمام المجتمع الياباني بالتفاصيل والتحسين المستمر وتطبيق هذه القيم في الحياة اليومية والمدارس.
والفكرة الأهم هنا أن الطفل عندما يكبر وهو يحمل هذه المبادئ فإنه يدخل سوق العمل وهو يؤمن بالجودة من داخله ولا ينتظر مديرًا يكتشف الخطأ ويطلب منه إصلاحه بل يسأل نفسه:
كيف أستطيع أن أجعل هذا العمل أفضل؟
وهذه هي المرحلة التي يجب أن نصل إليها:
أن تصبح الجودة نابعة من داخل الإنسان، وليست مفروضة عليه من الخارج.
لنبدأ من أطفالنا
تخيل، عزيزي القارئ لو بدأنا بتعليم أطفالنا هذه الثقافة منذ الصغر.
فالطفل الذي يتعلم أن يرتب غرفته ويحافظ على أشيائه، ويحترم وقته، ويعيد عمله عندما يكتشف فيه خطأ سيكبر وهو يحمل هذه السلوكيات معه في جميع مراحل حياته.
في المدرسة، سيصبح أكثر اهتمامًا بواجباته.
وفي الوظيفة سيهتم بجودة ما يقدم وليس فقط بإنهائه بأي شكل.
وفي الإدارة سيبحث عن معالجة أسباب المشكلة بدلًا من محاولة إخفائها.
وهكذا تنتقل الجودة من سلوك فردي إلى ثقافة مجتمع.
الجودة ليست الكمال
الجودة لا تعني أننا لن نخطئ.
فالخطأ جزء من طبيعة الحياة.
لكن الفرق أن الشخص الذي يفكر بعقلية الجودة لا يكتفي بالقول: «حدث خطأ».
بل يسأل:
لماذا حدث هذا الخطأ؟ وكيف أمنع تكراره؟
وهذا السؤال البسيط هو الذي يميز بين من يبحث عن تبرير الخطأ ومن يبحث عن تحسين العمل وتجويده.
هل نطلب الجودة من الآخرين فقط؟
مشكلة بعضنا أننا نطلب الجودة من الآخرين بينما نحن أبعد ما نكون عن تطبيقها.
نريد من المطعم أن يكون نظيفًا بينما نرمي مخلفاتنا في الشارع من نافذة السيارة بلا مبالاة.
نريد من الموظف أن يحترم الوقت بينما نتأخر عن مواعيدنا.
نريد من الشركة خدمة ممتازة بينما ننجز أعمالنا أحيانًا على عجل.
نريد منتجًا بلا أخطاء، بينما لا نراجع أعمالنا قبل تسليمها.
وهنا السؤال:
هل نريد الجودة حقًا لنا فقط أم نريد أن تكون قيمة نمارسها ونقدمها للآخرين؟
الجودة تبدأ من الداخل
قد تحصل الشركات على شهادات الجودة وتضع أجمل السياسات والإجراءات وتمتلئ جدرانها بالشعارات.
لكن إذا كانت الجودة تنتهي عند باب الشركة فهنا تكمن المشكلة.
الجودة الحقيقية لا تنتهي بانتهاء الدوام.
هي أن تكون دقيقًا في عملك أمينًا في تعاملك ملتزمًا بموعدك حريصًا على ما تملك ومهتمًا بما تقدمه للآخرين.
الجودة ليست قسمًا أو إدارة في الهيكل التنظيمي، وليست شهادة معلقة على الحائط.
الجودة أسلوب حياة.
فهي تبدأ من أبسط الأشياء ومن البيت والأسرة ثم تكبر معنا حتى تصبح جزءًا من شخصيتنا ومن أسلوب حياتنا.
فإذا أردنا مجتمعًا يعرف معنى الجودة، فلا نبدأ بالشركات فقط…
لنبدأ من المكان الذي تبدأ منه كل الثقافات: من الأسرة، ومن الطفل على وجه الخصوص.
تركي حسنين
ماجستير ادارة الجودة الشاملة
