المقالات

حين تصبح الحوكمة المالية عبئًا على الأندية

الحوكمة المالية في القطاع الرياضي يجب ألا تُفهم على أنها وسيلة لتقليص المبالغ المخصصة للأندية، بل منظومة تهدف إلى رفع كفاءة الإنفاق، وضمان حسن استخدام الموارد، ومحاسبة المقصر في عمله وقراراته.

فإذا كان النادي مستحقًا لمبلغ معين وفق معايير واضحة، فإن الأصل أن يحصل عليه كاملًا، ثم تأتي الحوكمة لمراقبة كيفية استخدامه وقياس أثره ومحاسبة من يسيء إدارته. أما أن تتحول الحوكمة إلى أداة لخفض الموارد، فقد يحقق ذلك وفرًا ماليًا قصير المدى، لكنه قد يترك أثرًا فنيًا أكبر على المدى البعيد.

ويجب أن ندرك أن كل ريال يُنقص من الاستثمار الحقيقي في كرة القدم لا يتوقف أثره عند ميزانية النادي، بل يصل في النهاية إلى اللاعب؛ من خلال جودة التدريب، والأجهزة الفنية والطبية، وبرامج الفئات السنية، والاستشفاء، والتغذية، والتحليل وتطوير المواهب. وهذا اللاعب هو في نهاية المطاف من سيمثل المنتخب الوطني.

ومن الإشكالات التي تستحق المراجعة أيضًا أن بعض الأندية أصبحت تستعين بشركات استشارية لمساعدتها على استيفاء متطلبات ونماذج الحوكمة المالية، وتدفع مقابل ذلك مبالغ كان من الممكن توجيه جزء مهم منها إلى النشاط الرياضي واللاعب نفسه.

وهنا يظهر تناقض يحتاج إلى معالجة: إذا كانت الحوكمة تهدف إلى ترشيد الإنفاق، فلا ينبغي أن تصبح هي نفسها مصدرًا لإنفاق إضافي لا ينعكس بصورة مباشرة على تطوير النادي فنيًا.

الأفضل أن تعمل الجهات المعنية على بناء القدرات الإدارية والمالية داخل الأندية، وتبسيط متطلبات الحوكمة، وتدريب موظفي الأندية عليها، بدل أن يضطر النادي في كل مرة إلى الاستعانة بشركات خارجية لإعداد الملفات والتقارير المطلوبة.

الحوكمة الحقيقية لا تقاس بعدد الأوراق والتقارير التي يقدمها النادي، بل بمدى سلامة إدارته المالية، وكفاءة إنفاقه، واستدامته، والأثر الذي تحققه موارده على أرض الواقع.

فالهدف ليس أن ننفق أقل لمجرد خفض المصروفات، بل أن ننفق بصورة أفضل. وليس المطلوب أن نعاقب النادي بتقليص موارده، وإنما أن نحاسب المقصر في إدارتها.

فالريال الذي يُستثمر بكفاءة في النادي هو استثمار في اللاعب، والريال الذي يُستثمر في اللاعب اليوم هو استثمار في المنتخب الوطني غدًا.

د. يحيى راجح الشريف

عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى