كتاب الرأي

العائد الوطني من الوقت

اعتدنا أن نقيس التنمية بما تضيفه إلى حياتنا: طريق يُفتح، قطار ينطلق، مستشفى يقترب، خدمة تتحول إلى منصة رقمية، أو مدينة تصبح أكثر كفاءة.

لكن ثمة عائدًا آخر لا يظهر بسهولة في الأرقام، رغم أنه يمس أثمن ما يملكه الإنسان:

وقته.

فالمال يمكن ادخاره واستثماره وتعويض ما فُقد منه، أما الوقت فلا يُخزّن ولا يُسترد. وما يمضي من عمر الإنسان لا تستطيع أي ثروة أن تعيده.

ومن هنا، ربما يستحق الوقت أن ننظر إليه بوصفه أحد عوائد التنمية، لا مجرد نتيجة جانبية لها.

حين تختصر خدمة رقمية معاملة كانت تتطلب الحضور والانتظار، أو يقلل مشروع نقل زمن الرحلة، أو تصبح الخدمات أقرب وأسهل وصولًا، فإن الأثر لا يقف عند حدود الكفاءة وسرعة الإنجاز.

هناك شيء آخر حدث في حياة الإنسان:

لقد استعاد جزءًا من يومه.

ولنتخيل مشروع نقل يوفر خمس عشرة دقيقة يوميًا لمليون شخص. قد تبدو الدقائق الخمس عشرة قليلة في حياة فرد واحد، لكنها عند جمعها تعادل 250 ألف ساعة استعادها المجتمع في يوم واحد.

عندها لا يعود السؤال فقط: كم بلغت تكلفة المشروع؟ وما العوائد المرجوة منه؟ بل يظهر سؤال آخر:

ماذا يستطيع مجتمع أن يصنع بمئات الآلاف من الساعات التي عادت إليه؟

فالوقت المستعاد قد يمنحه الإنسان لأسرته، أو صحته، أو معرفته، أو عمله، أو راحته. وحين تتراكم هذه الدقائق على مستوى المجتمع، لا يبقى أثرها فرديًا، بل تتحول إلى قيمة اجتماعية وتنموية أوسع يعود نفعها على الوطن.

جودة الحياة تبدأ أيضًا من الوقت

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب من التحول التنموي الذي تشهده المملكة في إطار رؤية السعودية 2030.

فتطوير الخدمات الحكومية والتحول الرقمي، ومشروعات النقل والبنية التحتية وتطوير المدن، مسارات متعددة لكل منها أهدافه وبرامجه، لكنها تلتقي في أثر مهم: جعل حياة الإنسان أكثر سهولة وكفاءة.

وفي موازاة ذلك، جاء برنامج جودة الحياة، الذي أُطلق عام 2018 بوصفه أحد برامج تحقيق رؤية السعودية 2030، واضعًا تحسين نمط حياة الفرد والأسرة في صميم أهدافه.

وهنا يبرز الوقت بوصفه بُعدًا يستحق أن يأخذ مكانه في حديثنا عن جودة الحياة.

فالإنسان لا يحتاج فقط إلى خدمات أفضل، بل إلى وقت يستطيع أن يعيش فيه أثر هذه الخدمات.

من العائد على الاستثمار إلى العائد على الوقت

اعتدنا في الاقتصاد أن نسأل عن العائد على الاستثمار: ماذا سيولد كل ريال ننفقه من قيمة؟

لكن ماذا لو أضفنا إلى هذا السؤال سؤالًا آخر:

كم ساعة من حياة الناس سيعيدها هذا الاستثمار إليهم؟

من هنا يمكن أن نقترح ـ كمفهوم للتفكير لا كمؤشر اقتصادي قائم ـ ما أسميه:

«العائد الوطني من الوقت».

ليس المقصود أن نضع سعرًا لكل ساعة، أو أن نحول وقت الإنسان إلى معادلة مالية؛ فليس كل وقت توفره التنمية يجب أن يتحول إلى إنتاج اقتصادي، فقد تكمن قيمته في حياة الإنسان نفسها.

المقصود أن ندرك أن وقت المجتمع مورد وطني، وأن المشروع الذي يقلل هدره يحقق عائدًا لا يظهر كاملًا في حساب التكلفة والعائد التقليدي.

فالوقت الذي توفره التنمية يعود إلى صاحبه، ومعه تعود حرية الاختيار في كيفية استخدامه.

وهنا تبدأ دورة أخرى للتنمية:

تستثمر الدولة في اختصار الوقت، فيستعيده الإنسان، ويصبح ما يصنعه بهذا الوقت جزءًا من العائد الذي يعود عليه وعلى مجتمعه ووطنه.

ما لا تقوله الأرقام

ربما نستطيع حساب تكلفة الطريق، وعدد مستخدمي القطار، والمعاملات المنجزة إلكترونيًا، وزمن الوصول إلى الخدمة.

لكن هناك أثرًا يصعب أن يظهر كاملًا في تلك الأرقام:

حياة أصبحت أقل انتظارًا.

وهذا ربما يكون أحد أجمل وجوه التنمية؛ أن يشعر الإنسان بأثرها ليس فقط فيما أصبح موجودًا حوله، وإنما فيما أصبح متاحًا له من يومه.

لذلك، عندما نقيس أثر مشروع أو خدمة في المستقبل، ربما يستحق أن نضع إلى جانب أسئلتنا المعتادة سؤالًا بسيطًا:

كم من وقت الإنسان حفظنا؟

فالتنمية لا تُقاس فقط بما تضيفه إلى حياة الإنسان، بل أيضًا بما تتوقف عن أخذه من وقته.

وعندما يصبح للوقت الذي استعدناه أثر في حياة الفرد والمجتمع، نكون أمام عائد لا يظهر في الميزانية، لكنه يظهر في الحياة.

وهذا هو العائد الوطني من الوقت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى