قبل أكثر من ثلاثين عامًا، وفي رائعة وحيد حامد (طيور الظلام)، التقى مندوب احدى الجماعات علي الزناتي (رياض الخولي) بصديقه مندوب أحد الأحزاب فتحي نوفل (عادل إمام) ليلا بعيدًا عن الأعين، طالبًا الدعم للفوز في الانتخابات، واختصر الزناتي المسألة بعبارته الساخرة “هي برضه لعبة الانتخابات!”
الجدل الذي صاحب انتخابات رئاسة الإتحاد السعودي لكرة القدم هذا العام لم يبدأ من فراغ. تساؤلات أثيرت حول شروط الترشح، وحديث في الشارع الرياضي عن أن بعض تلك الشروط (تناسب) شخصا ولا تناسب غيره، وبعضها (يحصر) دائرة المنافسة (حول مرشحين معينين لإبعاد آخرين)! ولا يعني ذلك أن الانتخابات مفصلة لشخص معين؛ فهذا اتهام يحتاج إلى دليل. لكن عندما تتولد مثل هذه القناعة لدى قطاع من الجمهور، يصبح السؤال الأهم: ماذا فعل الاتحاد السعودي ليبدد قلق المتابعين؟ هل تلك المعايير تفرز الأكفأ أم المستوفي للشروط؟
لن أتحدث عن (شرط اللغة الإنجليزية لأنه من وجهة نظري لا معنى لوجوده أساسا)، وهناك أيضًا شرط ممارسة عمل أو منصب قيادي في المجال الرياضي لمدة لا تقل عن سنتين خلال السنوات الخمس الأخيرة! فالخبرة في أي مجال لا تفقد قيمتها لمجرد أن جزءًا منها وقع خارج نافذة زمنية حددتها اللائحة.
القضية لا تتوقف عند شروط الدخول إلى السباق. هناك أسئلة من حق الشارع الرياضي “كله” أن يعرف إجاباتها:
ماذا سيقدم كل مرشح لكرة القدم السعودية؟ وما أهدافه للأربعة أعوام المقبلة (بل ربما الثمانية)؟ وما مؤشرات الأداء التي سوف يحاسب عليها.؟ والأغرب أن الجدول الانتخابي حدد فترة الحملات الانتخابية بثلاثة أيام “فقط”، من (27 إلى 29) أغسطس، قبل الاقتراع في 30 أغسطس! ثلاثة أيام لعرض مشروع يفترض أنه سيقود كرة القدم السعودية للأعوام المقبلة!.
صحيح أن الجمهور لا يصوت مباشرة، لكن الاتحاد لا يدير شأنًا خاصًا “بأعضاء جمعيته العمومية”؛ إنه يدير كرة القدم السعودية، وهنا نصل إلى (العامل المؤثر) في العملية الانتخابية الذي لا يقل أهمية عن المرشحين: الجمعية العمومية. فبحسب النظام، تتكون الجمعية من 49 عضوًا يمثلون أندية الدرجات المختلفة، وهم من سيقررون في النهاية من يقود الاتحاد. إذن، عندما نتحدث عن نزاهة الانتخابات، فلا يكفي أن نسأل عن شروط المرشحين، بل ينبغي أن نسأل أيضًا عن “استقلال” الناخبين. ما الضمانات التي تمنع تحول أصوات الأندية إلى تكتلات انتخابية ترفع مرشحا وتسقط آخرا؟
كرة القدم بطبيعتها شبكة من العلاقات والمصالح. والأندية بينها تحالفات واختلافات، ومن الطبيعي أن يقتنع أكثر من نادٍ بالمرشح نفسه، ولا مشكلة في ذلك. لكن الفارق كبير بين التوافق على المرشح الأفضل (بسبب برنامجه وكفاءته)، وبين تشكيل كتلة تصويتية تتحرك (على أساس المصالح والعلاقات والنفوذ).
وهنا يأتي السؤال: إذا لم تُعرض برامج المرشحين بصورة كافية، فعلى أي أساس سيقرر أعضاء الجمعية العمومية منح أصواتهم؟ هل على البرنامج؟ السيرة؟ العلاقات؟ التوافقات؟ أم أن القرار اتخذ قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية أصلًا؟ فنزاهة الانتخابات لا تتعلق فقط بمن يحق له الترشح، بل بمن ينتخب، وكيف ينتخب، وتحت أي ضمانات ينتخب. هناك طريقة (عملية) يمكن أن تبدد جزءًا كبيرًا من هذه التساؤلات، لماذا لا يكون هناك مؤتمر إعلامي يقدم خلاله كل مرشح برنامجه الانتخابي أمام الإعلام و ينقل على الهواء للجمهور، ويشرح كل واحد منهم برنامجه، ثم يجيب عن الأسئلة: ماذا ستفعل للمنتخب؟ كيف يتأهل منتخبنا إلى دور ربع النهائي (دور ال 8) في كاس العالم 2030؟ كيف ستطور الفئات السنية؟ ما رؤيتك للتحكيم وخطة تطويره؟ كيف ستطور اللاعب السعودي؟ ما موقفك من الحوكمة والشفافية وما رؤيتك للاستثمار؟ وما أهدافك القابلة للقياس بعد أربع أعوام؟ عندها لن يكون الاختيار قائمًا على الاسم والعلاقات والانطباعات، بل تصبح أمام الجمعية العمومية والجمهور برامج يمكن المقارنة بينها. الانتخابات القوية والنزيهة والتنافسية، لا تضرها الشفافية والمواجهة المباشرة، بل تمنحها مزيدًا من المصداقية.
ووسط هذه الأجواء الصاخبة، جاء تصريح وكيل وزارة الرياضة للإعلام والتسويق الدكتور عادل الزهراني عن التشكيك في نزاهة الانتخابات والإساءة للرياضة السعودية، وعن رصد التجاوزات، ليضيف بعدًا آخر للنقاش. وهنا ينبغي التفريق بوضوح بين أمرين. اتهام أشخاص أو مؤسسات بالفساد أو التزوير دون دليل أمر مرفوض، ومن حق الجميع حماية سمعتهم من الاتهامات الباطلة. لكن التساؤل ليس اتهامًا، والنقد ليس إساءة، والمطالبة بالشفافية ليست تشكيكًا في الرياضة السعودية يا سعادة الوكيل! بل إن السؤال الحقيقي هو: ما الطريقة الأفضل لحماية سمعة الرياضة السعودية؟ هل تكون بتحذير المشككين، أم بتقديم مستوى من الشفافية يجعل التشكيك نفسه بلا حجة؟ حين يسأل الجمهور عن شروط الترشح، اشرحوا أسبابها، وحين يتنافس المرشحون، انشروا برامجهم. وحين يسأل الناس عن الجمعية العمومية، وضحوا ضمانات استقلال أصوات أعضائها. فالرد على الشبهة (بالمعلومة) أقوى من الرد عليها (بالتحذير).
خاتمة
مشكلة الانتخابات أكبر من استبعاد لاعب سابق، وأكبر من شرط الإنجليزية، وأكبر حتى من اسم الرئيس القادم. إنها الثقة، والثقة لا تُفرض على الجمهور، ولا تصدر بقرار، ولا تُحمى بالتحذير من التشكيك. الثقة تُكتسب. لا نريد انتخابات يخرج منها رئيس مستوفٍ للشروط فقط. نريد رئيسًا يحمل مشروعًا، ونريد جمعية عمومية تعرف لماذا تنتخبه. ونريد جمهورًا يرى أمامه عملية انتخابية واضحة تجعله يحترم النتيجة، حتى لو لم يكن الرئيس المنتخب هو الاسم الذي يفضله.
فالشفافية لا تسيء إلى الرياضة السعودية، بل تحميها؛ والسؤال لا يهدم الثقة، وإنما غياب الإجابة هو الذي يفعل ذلك.






