
مواقع التواصل الاجتماعي يوميًا بآلاف المقاطع، بين الغث والسمين، لكن بعضها يتجاوز حدود المشاهدة العابرة، ليحمل قصة إنسانية تستحق التوقف عندها، لما تتضمنه من قيم اجتماعية ورسائل تتصل بالعمل والكرامة واحترام الإنسان.
ومن بين تلك المقاطع المتداولة، برز مشهد تمثيلي يحكي قصة فتاة تعمل في تلميع وإصلاح الأحذية، وتواصل في الوقت نفسه تعليمها، متمسكة بحلم والدها بأن يراها يومًا طبيبة.
تبدأ القصة عندما تتعرف إحدى السيدات على الفتاة، وتتذكر والدها الذي كان يعمل في المهنة نفسها، لكنها تتحدث إليها بنبرة متعالية، وتذكرها بأن حلم أبيها كان أن تصبح طبيبة، قبل أن تسخر من واقعها قائلة إنها أصبحت «جزمجية مثل أبيها».
لم تغضب الفتاة من مهنتها، ولم تخجل من عمل والدها، لكنها رفضت الإساءة إليه، وردت بكلمات تختصر رسالة القصة: والدها تعب من أجلها، ورباها على عزة النفس والكرامة والاحترام.
وتؤكد الفتاة أنها ما زالت تدرس وتجتهد لتحقيق حلم أبيها، وأن اضطرارها للعمل في مهنة بسيطة لم يدفعها إلى التخلي عن تعليمها أو انتظار مساعدة الآخرين.
وتتصاعد المواجهة عندما تحاول السيدة الانتقاص من مستوى أسرتها المادي وسكنهم المتواضع، فترد الفتاة بفخر بأن الرجل الذي تنظر إليه باستخفاف نجح في أن يجعل ابنته معتزة به، وأن المال لا يستطيع شراء عزة النفس والكرامة وحسن التربية.
وتنتقل القصة لاحقًا إلى مشهد آخر يحمل ثمرة الصبر؛ إذ تتلقى الفتاة اتصالًا يخبرها بالموافقة المبدئية على توظيفها ودعوتها إلى مقابلة عمل، لتنطلق مسرعة إلى والدها تزف إليه الخبر، وتخبره بأن تعبه معها لم يذهب سدى.
لكن المشهد الأكثر تأثيرًا يأتي عندما تطلب منه مبلغًا بسيطًا لتشتري ملابس مناسبة لمقابلة العمل، قبل أن تتراجع بعدما تدرك ضيق حاله، وتقرر البحث عمن يعيرها ملابس تذهب بها إلى المقابلة.
قد تكون القصة تمثيلية، لكن رسالتها حقيقية وتتكرر في حياة كثيرين: الشغل ليس عيبًا، والفقر ليس نقصًا، والمهنة البسيطة لا تنتقص من صاحبها.
كما تضع القصة مفهوم «الطبقة» أمام اختبار مختلف؛ فليس كل من امتلك المال امتلك الرقي، وليس كل محتاج أقل شأنًا من غيره. قد تجد في بيت متواضع من التربية والكرامة وعزة النفس ما لا تجده خلف أبواب أكثر ثراءً.
وهنا تكمن قيمة المقطع بعيدًا عن عدد مشاهداته: فتاة لم تخجل من مسح الأحذية، لكنها رفضت أن يسمح أحد لنفسه بمس كرامة أبيها.
فالعمل مهما كان بسيطًا أشرف من البطالة، والإنسان ترتفع قيمته بأخلاقه وتربيته، لا بما في جيبه ولا بالمهنة التي يعتاش منها.






