كتاب الرأي

الشيخ فيصل الزهراني.. سيرة عالم وأثر لا يغيب

ليس العلماء الأجلاء أولئك الذين يملؤون الأسماع كلامًا، وإنما الذين يتركون في القلوب معنى، وفي العقول بصيرة، وفي حياة الناس أثرًا. فالعالم الحق لا تنتهي رسالته بانتهاء مجلسه، ولا يغيب علمه بغياب شخصه؛ لأن ما غرسه في النفوس يظل حيًا، تتناقله الأيام كما تتناقل الأرض ماءها إلى جذور الشجر.

والشيخ فيصل الزهراني رحمه الله من أولئك الدعاة الذين جمعوا بين العلم وحسن السمت، وبين وضوح المنهج ورهافة الخطاب، وبين قوة الكلمة وحكمة المقصد. كان ابنًا من أبناء الطائف، وصوتًا من أصواتها التي أسهمت في التوعية والتنوير، وجعلت من الدعوة بابًا لإحياء الفضيلة وصيانة القيم وبناء الإنسان.

ترك رحمه الله مئات الدروس والمقاطع، ولم تكن مجرد تسجيلات عابرة تحفظها الذاكرة ثم تنساها، بل كانت كلمات وجدت طريقها إلى الناس، وانتشرت بين تلامذته وأبناء الطائف، ثم اتسع مداها في المجتمع السعودي. وفيها تتجلى قيمة العالم حين تتحول المعرفة على يديه إلى وعي، والوعظ إلى تربية، والكلمة إلى مسؤولية.

وأجمل ما يختبر به العالم أثره فيمن بعده؛ فالتلميذ مرآة أستاذه، والسلوك أصدق من الشهادة. وقد ترك الشيخ فيصل تلامذة يحملون من مدرسته سلامة المنهج، واستقامة الخلق، والدقة، والمروءة، والشيمة، وحسن المعاملة؛ وهي خصال تتآلف في شخصية العالم النبيل، فتجعل علمه مهابة بلا غلظة، وتواضعه رفعة بلا تصنع، وحكمته بصيرة لا تستعرض نفسها.

إن بعض الرجال يرحلون عن المكان، لكنهم لا يرحلون من ذاكرته؛ لأنهم تركوا فيه ما هو أبقى من الحضور: تركوا أثرًا. والشيخ فيصل الزهراني رحمه الله من هؤلاء؛ فقد أسهم في صناعة وعيٍ قيمي، وأضاء مساحات من الطريق بكلمة صادقة، وعلم نافع، وقدوة حسنة.

الفقيد يرحمه الله

رحم الله الشيخ فيصل، فقد غاب الصوت وبقي صداه، وغاب المعلم وبقي تلاميذه، وغاب الرجل وبقيت مآثره. وتلك أرفع شهادة للعالم: أن يصبح غيابه حضورًا، وأن يتحول علمه إلى سيرة، وسيرته إلى أثر، وأثره إلى حياة في الناس.

أ. د. عايض محمد الزهراني

نائب الرئيس لإتحاد الأكاديميين والعلماء العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى