أبرز الأخبارالمجتمعالمحليةمكة - عاجل

جيل وُلد في ظروف استثنائية يكتشف الفصل الدراسي

مواليد 2020 يدخلون المدارس السعودية بعد طفولة استثنائية

يدخل أطفال وُلدوا عام 2020 تجربتهم التعليمية الأولى في السعودية، بعد سنوات طفولة تزامنت مع واحدة من أكثر الفترات الاجتماعية استثنائية؛ إذ فرضت جائحة كورونا قيودًا على الزيارات واللعب الجماعي، ووسعت حضور الشاشات، وأعادت تشكيل الروتين الأسري خلال مرحلة مبكرة تتكون فيها اللغة ومهارات التواصل والاستقلالية.

ولا تعني هذه الظروف أن «مواليد كورونا» يمثلون جيلًا متأخرًا أو متضررًا، لكنها تضع الأسرة والمدرسة أمام دفعة متفاوتة التجارب، قد يحتاج بعض أطفالها إلى وقت أطول للانتقال من البيئة المنزلية إلى الفصل، والتكيف مع المشاركة والانتظار والتعليمات الجماعية.

طفولة مختلفة عن الأجيال السابقة

عاش مواليد 2020 أشهرهم وسنواتهم الأولى في وقت تقلصت فيه اللقاءات العائلية، وأُغلقت بعض الحضانات ومساحات اللعب، وارتفع الاعتماد على الشاشات ومكالمات الفيديو في التواصل والترفيه.

وتكتسب هذه التجربة أهميتها لأن السنوات الأولى تمثل مرحلة رئيسة في تطور اللغة، وتنظيم المشاعر، وبناء السلوك الاجتماعي. ويتعلم الطفل خلالها مهارات يومية لا تقدم عادةً في صورة دروس، مثل انتظار دوره، ومشاركة الألعاب، وقراءة تعبيرات الوجه، وطلب المساعدة، والتعامل مع أشخاص خارج محيط الأسرة.

ورغم عودة الحياة الاجتماعية والتعليمية إلى طبيعتها، يمثل وصول هذه الدفعة إلى المدرسة فرصة لرصد ما إذا كانت تجربة الجائحة تركت فروقًا قابلة للملاحظة في الاستعداد النفسي والاجتماعي والسلوكي والتعليمي.

لا تجربة واحدة لمواليد الجائحة

يحذر الباحثون من تحويل مصطلح «مواليد كورونا» إلى وصف تشخيصي، لأن الأطفال لم يعيشوا الظروف نفسها. فقد نشأ بعضهم وسط عائلات كبيرة أتاحت له الحوار والقراءة واللعب، فيما عاش آخرون في نطاق اجتماعي محدود، أو تعرضوا للشاشات فترات أطول، أو تأثروا بقلق الأسرة واضطراب روتينها اليومي.

وتشير مراجعات علمية إلى احتمال تأثر بعض جوانب النمو المبكر خلال الجائحة، خصوصًا اكتساب اللغة، لكنها تؤكد تفاوت النتائج بحسب البيئة الأسرية والاجتماعية والاقتصادية ومستوى تفاعل الوالدين مع الطفل.

وفي المقابل، أظهرت أبحاث أخرى أن غالبية مواليد الجائحة تمتعوا بمرونة نمائية جيدة، وأن الفروق المسجلة في بعض المهارات كانت محدودة، ما يمنع تعميم التأخر على جيل كامل.

القراءة والشاشات وتطور اللغة

كشفت دراسة شملت 1742 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 8 و36 شهرًا، من 13 دولة و12 لغة، أن الأطفال الذين حظوا بقراءة أكبر من مقدمي الرعاية، وتعرضوا بدرجة أقل للمشاهدة السلبية للشاشات، حققوا نموًا أفضل في المفردات خلال الإغلاق.

وتوضح النتيجة أن الجائحة لم تكن العامل الوحيد المؤثر؛ إذ لعبت طبيعة الأنشطة داخل المنزل دورًا في تطور الطفل. فالحوار والقراءة واللعب المشترك توفر تفاعلًا لغويًا لا تمنحه المشاهدة المنفردة للشاشة.

كما تناولت دراسة أكاديمية أنشطة الأطفال الصغار داخل الأسر السعودية خلال الإغلاق وعلاقتها بتطور المفردات، مقدمةً سياقًا محليًا لفهم اختلاف تجربة الطفل بحسب الأنشطة المنزلية والبيئة الاجتماعية والاقتصادية.

ماذا قد تلاحظ المدرسة؟

لا تظهر آثار التجربة المبكرة في صورة واحدة، وقد لا تظهر لدى بعض الأطفال إطلاقًا. لكن المدرسة والأسرة قد تلاحظان تفاوتًا في:

  • الانفصال عن الوالدين والدخول إلى الفصل.
  • تكوين الصداقات والتفاعل مع المجموعة.
  • الانتظار ومشاركة الأدوات وتبادل الأدوار.
  • التعبير بالكلمات عن الخوف أو الغضب أو الحاجة.
  • اتباع التعليمات والانتقال بين الأنشطة.
  • المحافظة على الانتباه خلال القصة أو النشاط.
  • الاعتماد على النفس وترتيب الأدوات.
  • استخدام دورة المياه وطلب المساعدة.
  • الاستعداد الأولي للقراءة والكتابة.

ولا يعني تعثر الطفل في إحدى هذه المهارات وجود اضطراب؛ فبداية المدرسة تجربة جديدة، ويحتاج الأطفال إلى مدد متفاوتة للتكيف. لكن استمرار الصعوبة أو اجتماع عدد من المؤشرات يستدعي التواصل بين الأسرة والمدرسة، وطلب تقييم متخصص عند الحاجة.

المدرسة ليست اختبارًا أكاديميًا فقط

قد يعرف الطفل الحروف والأرقام، لكنه يواجه صعوبة في التعبير عن احتياجاته، أو الجلوس ضمن مجموعة، أو تحمل الانتظار والتعامل مع الإحباط.

ومن هنا تبرز أهمية أن تمنح الأسابيع الأولى مساحة للتهيئة النفسية والاجتماعية، من خلال اللعب الجماعي والقصص والحوار والأنشطة الحركية، بدل التعجل في الحكم على المستوى الأكاديمي للطفل.

كما تمنح فترة التهيئة المعلمة فرصة للتمييز بين قلق طبيعي مرتبط ببداية الدراسة، وصعوبة مستمرة في السمع أو النظر أو النطق أو الانتباه أو التواصل.

مرونة لمرافقة الأطفال

ضمن التسهيلات الداعمة لبداية الطفل التعليمية، أتاحت وزارة التعليم لمنسوبيها ومنسوباتها مرافقة أبنائهم وبناتهم الملتحقين برياض الأطفال والصف الأول الابتدائي.

وجاء النص المنشور:

«تسهيلًا على منسوبيها مع انطلاقة العام الدراسي، أتاحت وزارة التعليم لمنسوبيها ومنسوباتها مرافقة أبنائهم وبناتهم في رياض الأطفال والصف الأول الابتدائي، لمدة أربع ساعات يوميًا خلال ثلاثة أيام من الأسبوع الأول، بحد أقصى حتى الساعة الحادية عشرة صباحًا، بعد التنسيق والحصول على موافقة المدير المباشر، مع إثبات تسجيل الطفل عبر نظام حضوري».

ويمثل الإجراء مرونة وظيفية للآباء والأمهات العاملين في وزارة التعليم، وليس تصريحًا عامًا لجميع أولياء الأمور بالبقاء داخل الفصول.

وتساعد المرافقة في تخفيف الانتقال الأول من المنزل إلى المدرسة، خصوصًا للأطفال الذين لم يسبق لهم الالتحاق بروضة أو قضاء وقت منتظم بعيدًا عن الأسرة. لكن فائدتها ترتبط بأن تكون مؤقتة ومتدرجة، حتى لا تتحول إلى وجود طويل يؤخر بناء استقلالية الطفل.

وسبق أن أوضحت الوزارة رسميًا أن مراعاة حاجة أطفال الحضانات ورياض الأطفال والمراحل الأولية إلى مرافقة ذويهم تعزز قدرتهم على التأقلم مع أجواء المدرسة.

فحص اللياقة يسبق مقعد الدراسة

يمثل فحص الالتحاق بالصف الأول الابتدائي، المعروف باسم «فحص اللياقة»، إحدى الخدمات المباشرة الداعمة للطالب المستجد، إذ يساعد على اكتشاف مشكلات صحية قد تؤثر في تجربته التعليمية قبل دخوله الفصل.

ويشمل الفحص:

  • التاريخ المرضي للطفل والعائلة.
  • استكمال التطعيمات الأساسية.
  • الفحص السريري.
  • قياس الطول والوزن ومؤشر كتلة الجسم.
  • فحص حدة النظر.
  • فحص كفاءة السمع.
  • فحص النطق.
  • فحص الفم والأسنان.
  • تقديم التوعية الصحية.

وتتيح وزارة الصحة حجز الفحص عبر تطبيق «صحتي»، بهدف تعزيز الوقاية والكشف المبكر وتحديد المسار التعليمي المناسب عند الحاجة.

وتزداد أهمية الفحص لدى هذه الدفعة لأنه قد يكشف ضعفًا في السمع أو النظر أو النطق يمكن أن يُفسر داخل الفصل خطأً على أنه ضعف انتباه أو عدم استجابة للتعليمات.

ومع ذلك، لا يمثل فحص اللياقة تقييمًا نفسيًا وسلوكيًا شاملًا، ما يفتح سؤالًا حول آلية إحالة الأطفال الذين تظهر لديهم مؤشرات مرتبطة بالتواصل أو النمو أو التكيف الاجتماعي.

توسع مرتقب في الطفولة المبكرة

يتزامن دخول هذه الدفعة إلى التعليم مع توجه سعودي لتوسيع خدمات الطفولة المبكرة. وكشف وزير التعليم يوسف البنيان، خلال المؤتمر الصحفي الحكومي، أن نسبة الالتحاق بالطفولة المبكرة تجاوزت 35%، فيما تستهدف الوزارة رفعها إلى 90% بحلول عام 2030.

وأشار إلى العمل مع القطاعين الحكومي والخاص على تطوير نماذج لخدمات رياض الأطفال داخل مقار العمل، بما يسهم في تقريب الخدمة من الأسرة وزيادة فرص الالتحاق بالتعليم المبكر.

ولا تمثل هذه التوجهات برنامجًا خاصًا بمواليد الجائحة، لكنها تمنح الأطفال فرصًا أوسع لاكتساب المهارات الاجتماعية واللغوية والاستقلالية قبل الانتقال إلى التعليم الابتدائي.

الأسرة شريك في الانتقال

يمكن للأسرة مساعدة الطفل من خلال بناء روتين ثابت للنوم والاستيقاظ، وتعويده على ارتداء ملابسه وترتيب حقيبته، وقراءة القصص معه، ومنحه فرصًا للعب مع أقرانه، وتعليمه كيف يطلب المساعدة ويعبّر عن مشاعره.

كما يُنصح بتقليل استخدام الشاشات تدريجيًا، خصوصًا قبل النوم، وتعويضها بأنشطة تعتمد على الحوار والحركة والتفاعل، من دون تحويل الانتقال إلى عقاب أو تغيير مفاجئ.

وفي الأيام الأولى، ينبغي أن تكون المرافقة مصدرًا للطمأنينة لا سببًا لزيادة التعلق؛ عبر وداع واضح وقصير، وتجنب مغادرة الطفل خلسة، والالتزام بموعد العودة، وعدم استجوابه بصورة متكررة عن تفاصيل يومه.

جيل يملك نقاط قوة أيضًا

رغم التركيز على التحديات المحتملة، قد يحمل مواليد 2020 خصائص إيجابية تشكلت خلال التجربة؛ فقد نشأ بعضهم على ألفة مبكرة مع التقنية، وقضى وقتًا أكبر مع والديه، وتعلم التكيف مع تغير الروتين، واكتسب مرونة أمام الظروف المتغيرة.

ولا يتمثل السؤال في مدى جاهزية «جيل كورونا» للمدرسة وحده، بل في مدى استعداد المدرسة والأسرة لفهم تجربته واستقباله من نقطة بدايته الحقيقية، من دون وصم أو مقارنة متعجلة بالأجيال السابقة.

عهود الزهراني

‏رئيس قسم صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى