نسمع كثيرًا في الأخبار السياسية والدبلوماسية مصطلح «الطاولة المستديرة»، حتى أصبح جزءًا مألوفًا من لغة الاجتماعات الدولية؛ يجتمع وزراء وسفراء وقادة شركات ومستثمرون حول طاولة واحدة، ثم نقرأ في البيان الختامي أن اللقاء ناقش المصالح المشتركة وفرص التعاون والتحديات المستقبلية.
لكن لماذا هي مستديرة أصلًا؟ ولماذا اكتسبت هذه الطاولة الصغيرة كل هذه الرمزية في عالم الدبلوماسية؟
المسألة ليست في شكل قطعة الأثاث بقدر ما هي في الفكرة التي تقف خلفها.
فالدبلوماسية، منذ أن أصبحت مهنة لها بروتوكولاتها وقواعدها، شديدة الحساسية تجاه التفاصيل. أين يجلس الضيف؟ ومن يكون في صدر المجلس؟ ومن يتقدم على الآخر؟ وأين يوضع العلم؟ ومن يتحدث أولًا؟
تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها في عالم البروتوكول قد تحمل دلالات سياسية كبيرة.
ومن هنا جاءت قوة الدائرة.
فليس للطاولة المستديرة رأس واضح، ولا تمنح أحد أطرافها موقعًا بصريًا متقدمًا على الآخرين. ولهذا ارتبط مفهوم «المائدة المستديرة» تاريخيًا بفكرة المساواة بين الجالسين، واشتهرت رمزيته في التراث الأوروبي من خلال حكايات الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة، قبل أن يتحول المصطلح في العصر الحديث إلى وصف لنمط من الاجتماعات والنقاشات التي تسعى إلى تقريب مواقع المشاركين وإتاحة مساحة أوسع للحوار.
ولم تعد الطاولة المستديرة اليوم مجرد شكل بروتوكولي، بل أصبحت أداة عملية في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.
فحين تجتمع مجموعة محدودة من المسؤولين والمستثمرين والخبراء حولها، يختلف المشهد عن المؤتمرات الكبرى. لا توجد منصة بعيدة يتحدث منها مسؤول إلى مئات الحاضرين، بل وجوه متقابلة، وأسئلة مباشرة، ومسافة قصيرة بين صاحب القرار وصاحب الفكرة.
وهنا تبدأ قيمة الاجتماع الحقيقية.
فالاجتماعات الدبلوماسية التقليدية تستطيع أن تعلن المواقف، أما الطاولة المستديرة فتستطيع في كثير من الأحيان أن تختبر الإمكانات. ماذا تستطيع هذه الدولة أن تقدم؟ ماذا يحتاج الطرف الآخر؟ أين توجد العقبات؟ وهل هناك مشروع يمكن تحويله من فكرة سياسية عامة إلى فرصة اقتصادية أو ثقافية أو استثمارية قابلة للتنفيذ؟
ولهذا نراها حاضرة في الزيارات الرسمية والمنتديات الاقتصادية واللقاءات الاستثمارية.
وغالبًا ما يبدأ نجاح الاجتماع قبل أن يجلس المشاركون إلى الطاولة. فاختيار الحاضرين ليس أمرًا عشوائيًا، بل يُبنى على الهدف من اللقاء. وإذا كان الاجتماع استثماريًا مثلًا، فإن وجود أصحاب القرار إلى جانب الشركات والمستثمرين والجهات التنظيمية يختصر سلسلة طويلة من المراسلات والاجتماعات المنفصلة.
ثم توضع أجندة محددة، وتُطرح الملفات الأساسية، ويُمنح المشاركون فرصة لعرض رؤيتهم وملاحظاتهم، وتُحدد نقاط الالتقاء والتحديات. وفي الاجتماعات الناجحة لا ينتهي الأمر بالتقاط الصورة التذكارية، بل تبدأ بعدها المرحلة الأهم: تحويل ما دار حول الطاولة إلى اتصالات ومشروعات ومذكرات تفاهم أو فرق عمل ومواعيد متابعة.
وهذا تحديدًا ما يجعل الطاولة المستديرة إحدى أدوات العلاقات العامة الدولية أيضًا.
فالدولة لا تقدم نفسها للعالم بالبيانات الرسمية وحدها. صورتها تتشكل كذلك من قدرتها على الحوار، والاستماع، وبناء الثقة، وفتح المساحات التي يلتقي فيها السياسي بالاقتصادي، والمستثمر بالمسؤول، والثقافة بالمصلحة المشتركة.
الدبلوماسية الحديثة لم تعد مجرد سفير يحمل رسالة من عاصمة إلى أخرى. أصبحت شبكة واسعة من الاقتصاد والثقافة والاستثمار والإعلام والسياحة والتعليم والتقنية. ولهذا احتاجت إلى أدوات أكثر مرونة من الاجتماعات الرسمية المغلقة.
والطاولة المستديرة واحدة من هذه الأدوات.
ولعل أهم مزاياها أنها تقلل المسافة النفسية بين المشاركين. فحين يجلس الجميع في مستوى متقارب، يصبح النقاش أكثر مباشرة، وتظهر الأسئلة التي قد لا تظهر في خطاب رسمي، وتُكتشف نقاط الاختلاف مبكرًا، وقد تتحول فكرة صغيرة طُرحت أثناء النقاش إلى مشروع كبير بعد سنوات.
لكن علينا ألا نبالغ في رومانسية الطاولة.
فشكلها المستدير لا يعني أن مصالح الدول أصبحت متساوية، ولا أن الخلافات السياسية تختفي بمجرد جلوس الأطراف حولها. فالدول تدخل الاجتماع وهي تحمل مصالحها وأولوياتها وأوراق قوتها. إنما براعة هذا النوع من الاجتماعات تكمن في توفير مساحة يمكن داخلها إدارة هذه المصالح بعيدًا عن صخب المنابر.
وهنا تظهر الدبلوماسية الحقيقية.
ليست الدبلوماسية أن تتفق الدول في كل شيء، فهذا أمر نادر، وإنما أن تعرف كيف تدير اختلافها، وكيف تحول مساحة الاتفاق الصغيرة إلى مشروع أكبر، وكيف تبني من المصالح المتبادلة جسرًا يستطيع الصمود أمام تقلبات السياسة.
ولهذا عندما نشاهد اليوم اجتماع طاولة مستديرة سعوديًا ـ فرنسيًا، أو سعوديًا ـ آسيويًا، أو لقاءً استثماريًا يجمع مسؤولين دوليين، فإننا لا نشاهد مجرد ترتيب للمقاعد.
نحن أمام هندسة دقيقة للمصالح.
حول تلك الدائرة قد تبدأ شركة استثمارًا جديدًا، وقد تتشكل شراكة بين بلدين، وقد تُحل عقبة كانت تؤخر مشروعًا، وقد يسمع مسؤول فكرة لم تصل إليه عبر القنوات التقليدية.
وربما لهذا بقيت الطاولة المستديرة حاضرة رغم تغير أدوات الاتصال وتقدم التكنولوجيا.
فالعالم يستطيع أن يعقد اجتماعاته عبر الشاشات في ثوانٍ، وأن يرسل آلاف الصفحات بضغطة زر، لكنه ما زال يحتاج إلى أن يجلس البشر وجهًا لوجه.
وفي النهاية، لم تكن عبقرية الطاولة المستديرة في أنها بلا رأس فحسب، بل في أنها تذكر من يجلس حولها بحقيقة دبلوماسية قديمة:
أن المسافات بين الدول قد تكون آلاف الكيلومترات، لكن بعض أهم القرارات تبدأ حين لا يفصل بين أصحابها سوى عرض طاولة






