المقالات

الجامعة بين حق القبول وواجب الاختيار

ليست بوابة الجامعة باباً إلى شهادة فحسب، بل عتبةٌ يعبر منها الإنسان إلى مرحلة جديدة من حياته، ويُرسم عندها شيء من ملامح مستقبله. ومن هنا فإن قبول الطالب ليس إجراءً إدارياً عابراً، وإنما قرار تتقاطع فيه رغبة الطالب، وطموح الأسرة، وقدرة المؤسسة التعليمية، ومصلحة المجتمع. وبين حق الشباب في الفرصة، وحق الجامعة في الحفاظ على مستواها، تبرز الحاجة إلى نظام قبول عادل يفتح الأبواب للكفاءة والاستعداد، لا للواسطة أو الإكراه.

تتلبس قضية قبول الطلاب في الجامعات بعدد من الإشكاليات التي أفرزتها التجربة وأنضجها التأمل. ومن أبرزها أن بعض أولياء الأمور يفرضون على أبنائهم تخصصات لا يرغبون فيها، لأنهم يتمنون أن يصبح الابن طبيباً أو مهندساً، متناسين أن لكل إنسان ميوله وقدراته. وقد يقود هذا الإكراه إلى التعثر والرسوب والتحول من تخصص إلى آخر بعد ضياع سنوات كان يمكن أن تُستثمر في مجال يلائم قدرات الطالب وطموحه.

وتأتي الواسطة إشكالية أخرى تمس عدالة القبول وتكافؤ الفرص. فالجامعات حين تضع النسب والشروط والاختبارات لا تستهدف التعجيز، وإنما تسعى إلى اختيار الأفضل في حدود طاقتها الاستيعابية، والتأكد من امتلاك الطالب الحد الأدنى من الكفاءة التي تعينه على النجاح. أما تحويل القبول إلى استثناءات شخصية، فيضعف الثقة بالنظام ويجعل تطبيق المعايير العادلة يبدو، في نظر البعض، تعنتاً.

كما أن السعي المحموم إلى الحصول على مقعد جامعي قد ينعكس على التعليم الثانوي، إذا أصبح منح الدرجات والتساهل في المخرجات وسيلة لرفع فرص القبول. وقد كان جيل سابق يعرف معنى الجدية في الدراسة، حين لم يكن النجاح أمراً مضموناً للجميع؛ ولذلك ينبغي أن يكون القبول الجامعي ثمرة لجودة التعليم، لا سبباً في تخفيف معاييره.

وتتعدد النماذج العالمية في اختيار الطلاب؛ ففي الولايات المتحدة تعتمد جامعات كثيرة على مزيج من السجل الدراسي ومتطلبات البرنامج، وقد تنظر بعض المؤسسات كذلك في المقالات والتوصيات والأنشطة. وفي بريطانيا يرتبط القبول بدرجة كبيرة بالمؤهلات الأكاديمية ومتطلبات التخصص، بينما تستخدم فرنسا منظومة «باركورسب» للتقديم إلى التعليم العالي وفق معايير تختلف باختلاف المسارات والبرامج. وتؤكد هذه النماذج أن القبول الناجح لا يقوم على معيار واحد، بل على منظومة تراعي استعداد الطالب وطبيعة التخصص وقدرة المؤسسة.

ولا ينبغي أن تنحصر النظرة في مجرد قبول الطالب ثم تخريجه بشهادة؛ فضعف المدخلات ينعكس على مستوى التعليم الجامعي، وعلى قدرة الجامعات على أداء رسالتها في إعداد الكفاءات وتنشيط البحث العلمي. ومن ثم فإن ترشيد القبول وتقنينه يجب أن يسيرا مع تطوير المدرسة، وإرشاد الطالب، واحترام ميوله، وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص.

وهكذا، فإن السؤال الأهم ليس: كم طالباً نستطيع أن نقبل؟ بل: أيُّ طالب نريد أن نُعدّ، ولأي مستقبل؟ فالجامعة ليست مستودعاً لاستيعاب خريجي الثانوية، كما أنها ليست حصناً مغلقاً أمام الشباب؛ إنها مصنع للعقول، وميدان لصناعة الكفاءة، ومسؤوليتها أن توازن بين إتاحة الفرصة وصون الجودة. فإذا احترمت الأسرة اختيار أبنائها، وأحسنت المدرسة إعدادهم، والتزمت الجامعة بمعايير عادلة واضحة، أصبح القبول بدايةً لمسيرة نجاح حقيقية، وتحول المقعد الجامعي من غاية تُنال إلى أمانة تُستحق، ومن رقم في قائمة إلى لبنة في بناء مستقبل الوطن.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى