كتاب الرأي

القيادة البحرية السعودية: انتقالٌ محسوب نحو أمن بحري عالمي

يتحوّل البحر الأحمر اليوم من ممرّ تتقاطع فيه تجارة الطاقة إلى ساحة تتبلور فيها قيادة سعودية جديدة لأمن بحري عالمي. فإعلان وزارة الدفاع في 31(31-7-2026) عن تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدّد الجنسيات، بمشاركة (14) دولة مؤسسة، لم يكن خطوةً أمنيةً عابرة، بل إعلاناً عن رؤية أوسع ترى أنّ حماية الملاحة لم تعد مسؤولية وطنية فحسب، بل جزءاً من استقرار اقتصادي عالمي يعتمد على هذا الممر الحيوي.

جاء هذا التحوّل في لحظة إقليمية دقيقة، حيث تصاعدت الهجمات على السفن التجارية والبنية التحتية البحرية، وتزايدت محاولات فرض وقائع أحادية في مضيق هرمز وباب المندب. وفي هذا السياق، اختارت الرياض الانتقال من موقع المتأثر بالتهديدات إلى موقع القائد الذي يصوغ استجابة جماعية، ويعيد تعريف أمن البحر الأحمر بوصفه مسؤولية دولية لا يمكن تركها للمعالجات البطيئة أو المبادرات المحدودة.

وما يميّز المبادرة السعودية أنّها لم تكتفِ بتنسيق عملياتي، بل أسّست هيكلاً قيادياً متكاملاً يقوده اللواء البحري الركن عبد الله بن سالم الشهري، مع مراكز قيادة وسيطرة وعمليات بحرية مشتركة تستضيفها المملكة. وهذا البناء يعكس رؤية سعودية تعتبر أنّ الأمن البحري لا يتحقق بالانتشار العسكري وحده، بل بالحوكمة المشتركة والالتزام بالقانون الدولي، وهو ما جعل التحالف مفتوحاً أمام الدول الراغبة في المشاركة، في خطوة تؤكد أنّ السعودية تقدّم نموذجاً للتعاون لا للمحاور.

ويتجاوز هذا التحوّل البعد العسكري المباشر ليشمل حماية البنية التحتية السيادية تحت البحر، بما في ذلك كابلات الاتصالات التي تشكّل شرياناً اقتصادياً عالمياً لا يقلّ أهمية عن طرق النفط. هذا الربط بين الأمن البحري والأمن الرقمي يعزّز موقع السعودية كقوة بحرية شاملة، ويمنح التحالف بعداً استراتيجياً يتقاطع مع مصالح دول كبرى مثل الصين التي تعتمد على البحر الأحمر كممر رئيسي لتجارتها.

وتحمل المبادرة رسالة وطنية واضحة، تتمثل في أنّ السعودية ليست دولة ساحلية تتعامل مع التهديدات عند حدودها، بل شريكاً موثوقاً في أمن الملاحة الدولية. فحماية نحو (900) ألف كيلومتر مربع من المساحة البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن تعني حماية ما يقارب (10-12%) من التجارة البحرية العالمية، وهو دور يعكس مسؤولية دولية لا يمكن تجاهلها في عالم تتصاعد فيه الفوضى البحرية.
لم يعد السؤال اليوم عن قدرة السعودية على قيادة أمن بحري إقليمي، بل عن كيفية إدارة هذه القيادة لتحقيق أثر استراتيجي أوسع. فالتحالف البحري الجديد يقدّم نموذجاً سعودياً للردع يقوم على الشراكة وليس المواجهة، وعلى القانون الدولي وليس الهيمنة، ويعيد تعريف البحر الأحمر بوصفه مسرحاً لقيادة عربية متوازنة تحمي مصالحها وتساهم في استقرار العالم.

ختاماً..
إنّ ما تفعله السعودية في البحر الأحمر لا يندرج في سياق ردّ فعل على تهديدات عابرة، بل في سياق صياغة معادلة جديدة لأمن الملاحة الدولية. فحين تتقدّم دولة إقليمية لتقود تحالفاً متعدّد الجنسيات، وتربط أمن البحر بأمن الاقتصاد العالمي، فهي تعيد تعريف دورها في الجغرافيا السياسية الحديثة. ومع اتساع نطاق المسؤوليات البحرية وتزايد اعتماد العالم على هذا الممر الحيوي، تبرز السعودية بوصفها قوة قادرة على تحويل التحديات إلى بنية أمنية مستقرة، وعلى تقديم نموذج للقيادة يقوم على الشراكة واحترام القانون الدولي. وفي زمن تتصاعد فيه الفوضى البحرية، يصبح حضور الرياض في البحر الأحمر ليس مجرد ضرورة، بل ضمانة لثبات سلاسل الإمداد العالمية واستقرار الطاقة والتجارة. ليكون جوهر التحوّل (قيادة لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي العالم من اضطراب البحار).

اللواء ركن م. د . خالد بن شويل الغامدي

زاوية «خلف الخطوط» • متخصص في شؤون الجماعات المسلحة والحرب بالوكالة والتخطيط الاستراتيجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى