إن ثقافة الانتخاب في المملكة بدأت مؤسسيًا في وقت مبكر وكانت الغرفة التجارية بجده من أبرز البدايات حين أجرت انتخابات لمجلس إدارتها عام 1951م اي قبل 75 عاماً ثم أخذت الممارسة الانتخابية تتوسع تدريجيًا لباقي الغرف التجارية في مملكتنا الحبيبة حتى وصلت إلى الانتخابات البلدية العامة عام 2005م.
ومع تطور الممارسة الانتخابية انتقلت من مجرد إجراء لاختيار أشخاص إلى مسؤولية تتطلب وعيًا بالاختيار وصولًا إلى جميع انتخابات مجالس إدارات الشركات المساهمة.
لكن السؤال اليوم ليس: متى بدأنا ننتخب؟
بل هل تعلمنا كيف ننتخب؟
كيف نختار المرشح بجودة عالية؟
وماذا يجب أن يرى الناخب قبل أن يضع صوته؟
عندما نتحدث عن الجودة يتبادر إلى أذهاننا عادةً المنتج الجيد والخدمة الجيدة والعمل المتقن .
لكن هناك جانبًا آخر من الجودة ربما لا نعطيه ما يستحق من الاهتمام وانطلاقاً أن الجودة أسلوب حياة وما ذكرته في المقال السابق بتاريخ 2026/08/22
وهذا يقودنا إلى معيار جودة الاختيار …
فالنتيجة الجيدة تبدأ غالبًا من اختيار جيد والقرار الجيد يبدأ من معلومات جيدة والمعلومة الجيدة تحتاج إلى شخص يعرف كيف يقرأها ويستخدمها.
وهنا نأتي إلى ثقافة الانتخابات.
إنها عملية اختيار … والاختيار نفسه يحتاج إلى ثقافة جودة.
كيف نختار المرشح بجودة عالية؟
السؤال الذي يجب أن يطرحه الناخب على نفسه قبل أن يمنح صوته ليس:
هل أعرف هذا المرشح؟
بل:
ماذا أعرف عن هذا المرشح؟
هناك فرق كبير بين السؤالين.
قد أعرف شخصًا منذ سنوات وأعرف أخلاقه وعلاقاته الاجتماعية وربما أقدره وأحترمه لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنني أعرف قدرته على إدارة شركة أو مشاركته في عضوية مجلس الإدارة .
فالانتخابات تحتاج إلى أن ننتقل من المعرفة الشخصية إلى المعرفة المهنية.
فماذا درس المرشح؟…أين عمل؟…ما خبراته؟
ما المناصب التي شغلها؟…ما الذي حققه؟
ما المجالات التي يتقنها؟…هل لديه معرفة
بالأنظمة والحوكمة والمال والأعمال؟
هل يستطيع قراءة القوائم المالية وفهم الأرقام؟
هل لديه خبرة في إدارة المخاطر؟…هل يعرف
كيف يختلف باحترام؟
هل يستطيع أن يقول «لا» عندما تكون «لا» هي القرار الصحيح؟
وهل يستطيع أن يتحمل مسؤولية القرار عندما يكون القرار صعبًا؟
وهناك سؤال ومن وجهة نظري مهم جداً ولا يقل اهمية عن باقي الاسئلة فكلها مهمة
هل يتمتع المرشح بسيرة وسمعة حسنة وأمانه ومعروف بالنزاهة ؟
هذه الأسئلة كلها أهم من عدد الأشخاص الذين يعرفون المرشح.
ثم تأتي السيرة الذاتية…
فالسيرة الذاتية من المؤشرات التي يغفل عنها كثير من الناخبين.
السيرة الذاتية ليست مجرد ورقة او عدد من الأوراق …
إنها أول رسالة يوجهها المرشح إلى الناخب ومن خلالها يقول:
هذه خبرتي وهذه مؤهلاتي وهذه أعمالي وهذا ما أستطيع أن أقدمه.
ولذلك عندما تصل إلى الناخب سيرة ذاتية غير مرتبة أو مليئة بالأخطاء الإملائية واللغوية أو معلوماتها غير واضحة أو تواريخها متداخلة أو خبراتها معروضة بطريقة عشوائية فمن الطبيعي أن يتساءل الناخب:
إذا كان المرشح لم يمنح سيرته الذاتية ما يكفي من المراجعة والعناية فكيف ستكون عنايته بالتفاصيل عندما يصبح عضوًا في مجلس الإدارة؟
لا يعني ذلك أن الخطأ الإملائي يجعل الإنسان غير كفء ولا يعني أيضاً أن جمال السيرة الذاتية دليل وحده على نجاح المرشح.
لكنها عزيزي القارئ هي إشارة من إشارات كثيرة فالجودة في الأساس هي الانتباه إلى ادق التفاصيل.
فالسيرة الذاتية عنوان والعنوان الجيد لأي كتاب لا يضمن جودة الكتاب لكنه يعطي انطباعًا أوليًا عن صاحبه .
عزيزي القارئ لا تنبهر بالشهادات… ابحث عن الأثر…
من الأمور التي تحتاج إلى وعي انتخابي أكبر ألا تتحول الانتخابات إلى مسابقة في عدد الشهادات.
قد تجد سيرة ذاتية مليئة بالشهادات والدورات والعضويات والمناصب.
لكن السؤال الأهم:
ماذا فعل صاحب كل ذلك؟
الشهادة مهمة والخبرة مهمة والدورات مهمة.
لكن الأهم هو الأثر…
ماذا أنجز؟
ما المشكلات التي واجهها وحلها؟
هل سبق أن قاد فريقًا؟
هل نجح في إدارة أزمة؟
هل اتخذ قرارات صعبة؟
هل لديه تجربة حقيقية في تطوير الأعمال؟
هل يستطيع تحويل المعرفة إلى نتائج؟
هنا تظهر الجودة الحقيقية…
الجودة لا تبحث عن «الأفضل» بشكل مطلق بل عن «الأصلح» للمهمة بشكل أدق.
فقد يكون هناك مرشح ممتاز في تخصصه لكنه ليس بالضرورة الشخص الأنسب لمجلس إدارة معين.
فالشركة قد تحتاج إلى خبرات مالية وقد تحتاج إلى شخص يفهم التقنية والتحول الرقمي.
وقد تحتاج إلى خبرة قانونية و إلى خبرة تشغيلية وتحتاج إلى شخص لديه معرفة عميقة بالسوق والعملاء والاستثمار .
ولذلك فإن الناخب الواعي لا يسأل فقط:
هل هذا المرشح جيد؟
بل يسأل:
هل هذا المرشح جيد ومناسب ايضاً لما تحتاجه الشركة؟
وهنا تبدأ جودة الاختيار…
لا تنتخب البرنامج… انتخب القدرة على تنفيذ البرنامج .
من السهل أن يكتب المرشح برنامجًا انتخابيًا جميلًا بكلمات كبيرة وطموحات أكبر ووعود كثيرة.
لكن الجودة تجعلنا نسأل:
كيف؟ كيف سيحقق ذلك؟ ما خبرته التي تؤهله؟
ما الأدوات التي يمتلكها؟ هل لديه تجربة سابقة
تثبت قدرته؟ ما الذي يستطيع تنفيذه فعلًا؟
فكم من برامج انتخابية ووعود كبيرة سمعناها في السابق ثم لم يتحقق منها إلا أقل القليل.
فالفرق كبير بين شخص يتحدث عن النجاح وشخص سبق أن عاش وصنع النجاح.
والانتخابات الجيدة لا تكافئ أجمل الكلمات فقط وإنما تبحث عن القدرة على تحويل الكلمات إلى أفعال.
وهذا يقودنا إلى الجودة أيضًا في المقارنة …
من الأخطاء التي قد يقع فيها الناخب أن يقرر مبكرًا ثم يبحث عن مبررات لقراره.
فالأفضل أن يعكس الطريقة:
اقرأ جميع السير الذاتية… قارن الخبرات… قارن التخصصات… قارن الإنجازات… قارن الرؤية.
ثم اسأل نفسك:
من هم المرشحون الذين يمكن أن يضيفوا قيمة حقيقية إلى مجلس الإدارة؟
هذه ببساطة إحدى أهم قواعد الجودة:
(لا تتخذ القرار أولًا ثم تبحث عن الأدلة… اجمع المعلومات أولًا ثم اتخذ القرار).
فانت باختيارك لمرشح ما قد تشارك في صناعة قرار قد يؤثر في مستقبل شركة وحقوق مساهمين وأعمال وموظفين وعملاء واستثمار
وفي شركات خدمة حجاج الخارج على وجه الخصوص تصبح المسؤولية أكبر لأن الشركة تعمل في قطاع يرتبط بخدمة ضيوف الرحمن وهي خدمة تحظى بمكانة محورية في رؤية المملكة 2030 التي تستهدف الارتقاء بجودة الخدمات وإثراء تجربة ضيوف الرحمن وفق أعلى معايير الجودة والكفاءة والتميز.
فخدمة الحاج ليست مسؤولية موسمية فحسب بل منظومة متكاملة تتطلب كفاءة وجودة واستدامة في الأداء.
ثقافة الجودة تبدأ من الناخب قبل المرشح
نحن كثيرًا ما نطالب المرشح بالجودة.
لكن الجودة تبدأ أيضًا من الناخب.
فالناخب الذي لا يقرأ ولا يقارن ولا يسأل ولا يبحث ثم يشتكي بعد الانتخابات من ضعف أداء المجلس يحتاج هو أيضًا إلى أن يراجع طريقة اختياره.
لا يمكن أن نطالب بنتائج عالية الجودة إذا كان الاختيار نفسه يتم بطريقة عشوائية.
جودة المجلس تبدأ من جودة الاختيار وجودة الاختيار تبدأ من وعي الناخب.
وفي النهاية…
ربما نحتاج أن نغيّر ثقافة الانتخابات :
مِن: مَن تعرف؟ إلى: مَن يستحق؟
ومِن: مَن وعد أكثر؟ إلى: مَن يستطيع أن ينجز أكثر؟
ومِن:مَن سيفوز؟ إلى: مَن سيضيف؟
هذه هي ثقافة الجودة التي نحتاجها في الانتخابات.
وأن نقرأ سيرة المرشح الذاتية بعين واعية ونستمع إلى برنامجه بعقل ناقد ونقارن بين المرشحين بعدل ثم نمنح صوتنا لمن نتأكد أنه الأقدر والأصلح والأكثر قدرة على إضافة قيمة حقيقية للشركة.
فالجودة ليست مجرد إجراءات أو شهادات.
الجودة طريقة تفكير ووعي وإدراك.
وإذا دخلت هذه الثقافة إلى الانتخابات فلن يصبح السؤال فقط:
لمن أعطي صوتي؟
بل سيصبح السؤال الأهم:
كيف أضمن أن صوتي ذهب إلى المكان الصحيح؟
وهنا نكون قد بدأنا فعليًا …
بتحقيق ثقافة الجودة في الانتخابات.
تركي سعيد حســنين
ماجستير ادارة الجودة الشاملة
