في مثل هذا اليوم الحادي والثلاثين من أغسطس، تتيح ذكرى ميلاد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، فرصةً لقراءة مرحلة استثنائية في تاريخ المملكة الحديث؛ مرحلة اتسمت بوضوح الرؤية، وسرعة الانجاز، واتساع الطموح الوطني.
فالمناسبة لا تُقرأ في بعدها الشخصي فحسب، بل فيما ارتبط باسم سموه من تحولات عميقة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد، وطورت أدوات الادارة الحكومية، ووسعت حضور المملكة وتأثيرها في محيطها الاقليمي والدولي.
رؤيةٌ تصنع مستقبلًا
مثّل إطلاق رؤية المملكة 2030 في العام 2016 نقطة تحول مفصلية؛ إذ لم تكن مجرد خطة اقتصادية لتنويع مصادر الدخل، بل مشروعًا وطنيًا شاملًا أعاد صياغة علاقة الدولة بمستقبلها، وجعل الانسان السعودي محور التنمية وغايتها.
وقد فتحت الرؤية آفاقًا جديدةً أمام الاقتصاد الوطني عبر تنمية القطاعات غير النفطية، وتحفيز الاستثمار، ورفع كفاءة الانفاق، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتمكين الكفاءات الوطنية. كما أطلقت مشاريع استراتيجيةً كبرى، في مقدمتها نيوم والقدية ومشاريع البحر الأحمر، لتؤكد أن المملكة لا تدير حاضرها فقط، بل تخطط بثقة لمكانتها في اقتصاد المستقبل.
ولم يقتصر التحول على المشروعات العملاقة، بل امتد إلى تطوير البيئة التشريعية والتنظيمية، وتسريع التحول الرقمي، وتعزيز جودة الحياة، وتوسيع مساحة المشاركة المجتمعية والثقافية والرياضية. وهي مساراتٌ متوازيةٌ أسهمت في تقديم نموذج سعودي أكثر حيويةً وانفتاحًا وقدرةً على المنافسة.

حضورٌ دوليٌ مؤثرٌ
على الصعيد الخارجي، عززت المملكة مكانتها لاعبًا محوريًا في قضايا الطاقة والاقتصاد والأمن الاقليمي والاستدامة. واتسمت سياستها الخارجية بالاتزان، وحماية المصالح الوطنية، وبناء شراكات واسعة ومتنوعة مع القوى الدولية والمؤسسات الاقتصادية المؤثرة.
كما رسخت المملكة موقعها بوصفها منصةً للحوار والتفاهم، مستندةً إلى ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها الاسلامية. وأصبحت قدرتها على التأثير في الأسواق العالمية، وجذب الاستثمارات، واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، أحد أبرز مؤشرات القوة الوطنية السعودية في صورتها الجديدة.
قوةٌ وطنيةٌ شاملةٌ
أعادت هذه المرحلة تعريف مفهوم القوة الوطنية؛ فلم تعد القوة تقاس بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية وحدها، بل بمنظومة متكاملة تشمل كفاءة المؤسسات، وقوة الاقتصاد، وتقدم التقنية، وفاعلية الدبلوماسية، وحيوية المجتمع، وقدرته على الإسهام في صناعة مستقبله.
وقد انعكس ذلك في الاهتمام بالصناعات الوطنية، والأمن السيبراني، والتقنيات المتقدمة، والسياحة، والثقافة، والرياضة، إلى جانب استمرار تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية للمملكة. وهو ما يمنح الدولة مرونةً أكبر في مواجهة المتغيرات، وثقةً أوسع في استثمار الفرص.
ختاماً..
في ذكرى ميلاد سمو ولي العهد، تستحضر المملكة مسارًا من التحول الطموح الذي انتقل بها من التخطيط إلى الانجاز، ومن الاعتماد على الموارد التقليدية إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامةً. إنها مرحلةٌ تؤكد أن الدول الكبيرة لا تنتظر مستقبلها، بل تصنعه بالإرادة، وحسن الادارة، والقرار القادر على تحويل التحديات إلى فرص.
اللهم وفقه لكل خير، وبارك له في كل لحظة من أوقاته، وزده قوة إلى قوته، واجعل ذلك كله فيما يرضيك، وأعنه ولا تعن عليه، ومكن له، وارزقه البطانة الصالحة، وادفع به العاديات، ورد عنه كيد الكائدين، ومكر الماكرين، واجعله عزا للإسلام والمسلمين، واحفظه بحفظك وعنايتك، وزده عزة وهيبة وتمكينا، واجعل التوفيق حليفه في كل خطوة يخطوها.
د. خالد بن شويل
31-8-2026

