المقالات

مكّة.. سرُّ الشوق ونقاءُ القلوب

قال تعالى في محكم كتابه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.

العجيب حقًّا أن مكة المكرمة، في ظاهرها، ليس فيها مما يطلبه أهل الدنيا كثيرًا؛ فلا بساتين ولا أنهار، ولا أجواء ساحرة، ولا متع من متع الدنيا الزائلة. ومع ذلك، تقصدها القلوب قبل الأبدان، وتهفو إليها الأرواح من كل مكان. إنه سرّ رباني لا يدرك كنهه إلا من آمن بالله ربًّا، وبمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولًا.

وصدق الشاعر إذ يقول:

يا مكةَ اللهِ قد مكَّنتِ لي حَرَمًا … مُؤمَّنًا لستُ أشكو فيه من داءِ
شوقُ الفؤادِ إلى مغناكِ متَّصلٌ … شوقَ الرياضِ إلى طَلٍّ وأنْداءِ
ولست بصدد استقصاء فضائل هذه الأرض الطيبة المقدسة؛ فقد كُتبت فيها الكتب والمجلدات، ونُظمت فيها الأشعار والأبيات، بما يغني عن الإطالة والاستقصاء. ولكنني أحب أن أشير إلى معنى أراه جديرًا بالتأمل، هو معنى «النقاء»؛ فقد أراد الله لهذه الأرض المقدسة أن تكون نقية: نقية من العصيان، ونقية من العدوان، ونقية من الأضغان.

أما العصيان، فقد قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. وقد فُسِّر الإلحاد في الآية بالشرك، واستحلال الحرام، وسائر المنكرات. وذكر بعض أهل العلم أن مجرد الهمّ بالسيئة في مكة أمر شديد الوعيد، وإن لم تُرتكب؛ وهو ما يُذكر في كتب التفسير، ومنها تفسير ابن كثير.

وأما العدوان، فقد جعلها الله حرمًا آمنًا، فقال سبحانه: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾، فحُرِّم القتال فيها، وحُرِّم صيدها، وقطع نباتها، والتقاط لُقَطتها، وجاءت النصوص ببيان حرمتها وأمنها.

وأما الأضغان، فقد كان قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» شاهدًا على أن مكة ليست موطنًا للأحقاد وتصفية الحسابات، ثم شرع الله اجتماع المسلمين فيها من شتى الآفاق، إخوةً متساوين، ليملأ قلوبهم بالمحبة، ويطهّرها من الحقد والكراهية.

إنه النقاء الذي تتجلى فيه حرمة المكان وقدسيته، وتلتقي عنده القلوب على المحبة والإيمان. فالحمد لله الذي كتب لنا جوار بيته الحرام، وجعلنا جميعًا أبناء هذه البلاد المباركة، من خُدّام هذا البيت وضيوف الرحمن.

أ. د. بكري معتوق عساس

مدير جامعة أم القرى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى