
يُقرأ نظام المنافسات والمشتريات الحكومية الجديد غالبًا من زاوية كفاءة الإنفاق، وأساليب التعاقد، ورفع سقف الشراء المباشر، إلا أن بين مواده بُعدًا اجتماعيًا يستحق الوقوف عنده؛ إذ يستمر النظام في تضمين متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة ضمن المواصفات الفنية للمشتريات الحكومية، إلى جانب إتاحة مسارات للتعاقد مع مؤسسات وجمعيات أهلية وكيانات غير ربحية محلية.
والمهم هنا أن هذين المسارين ليسا مستحدثين للمرة الأولى في النظام الجديد، فقد كانا موجودين في نظام 2019، لكن استمرارهما يطرح سؤالًا يتجاوز الجانب الإجرائي: إلى أي مدى يمكن للمشتريات الحكومية أن تكون أداة لتحقيق أثر اجتماعي إلى جانب تحقيق أفضل قيمة للمال العام؟
وينص النظام الجديد على مراعاة الجهة الحكومية، عند وضع الشروط والمواصفات الفنية، متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة واحتياجاتهم. وتكمن أهمية ذلك في أن الإتاحة لا تبدأ بعد بناء منشأة أو إطلاق خدمة أو شراء جهاز، وإنما تدخل منذ مرحلة تحديد المواصفات.
وهذا يفتح المجال للنظر إلى احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارها جزءًا من تصميم الخدمة أو المنتج منذ البداية، بدل التعامل معها بوصفها تعديلات لاحقة.
وفي المسار نفسه، أبقى النظام إمكانية التعاقد بأسلوب المنافسة المحدودة عندما تكون الأعمال والمشتريات متوافرة لدى مؤسسات أو جمعيات أهلية محلية أو كيانات غير ربحية محلية، كما يتيح الشراء المباشر في حالات محددة وفق الضوابط النظامية.
وهنا تظهر زاوية تنموية مهمة؛ فالقطاع غير الربحي لا ينبغي النظر إليه باعتباره متلقيًا للدعم والمنح فقط، إذ تمتلك منظمات متخصصة معرفة ميدانية وخبرات تراكمية في قضايا الإعاقة والأيتام وكبار السن والتمكين والتنمية المجتمعية وغيرها، ما يؤهل بعضها لأن يكون مقدمًا متخصصًا لخدمات تحقق أهدافًا حكومية ومجتمعية في الوقت نفسه.
وهنا تلتقي الزاويتان: جهة حكومية تضع مواصفات تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، ومنظمة غير ربحية متخصصة قد تمتلك الخبرة اللازمة للمشاركة في تقديم بعض هذه الخدمات.
هذه العلاقة تفتح قراءة أوسع لمفهوم المشتريات ذات الأثر الاجتماعي؛ حيث لا يقاس التعاقد فقط بقيمة المنتج أو الخدمة، وإنما بما يمكن أن يحققه كذلك من إتاحة وشمول واستفادة مجتمعية.
ولا يعني ذلك أن كل تعاقد حكومي مع جهة غير ربحية يمثل تلقائيًا أثرًا اجتماعيًا، أو أن مجرد تضمين متطلبات الأشخاص ذوي الإعاقة يضمن تطبيق الإتاحة بصورة كاملة؛ فالأثر الفعلي يرتبط بجودة المواصفات، وآليات القياس والمتابعة، وقدرة مقدم الخدمة، والإجراءات التنفيذية.
إلا أن وجود هذه الأحكام داخل منظومة المشتريات الحكومية يمنحها أهمية تتجاوز بعدها الإداري؛ لأنها تضع أمام الجهات والمنظمات فرصة لإعادة التفكير في الإنفاق الحكومي باعتباره أحد الأدوات الممكنة لدعم الشمول الاجتماعي وتعزيز مشاركة القطاع غير الربحي في التنمية.
ويبقى السؤال: هل يستطيع القطاع غير الربحي تطوير قدراته ليصبح شريكًا تنافسيًا في تقديم الخدمات؟ وهل تتحول مراعاة احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة من نص في المواصفات إلى معيار يمكن قياس أثره في الخدمة المقدمة للمجتمع؟






