جدارية شاعر

تأمُّلاتٌ في مرآةِ قصيدة: «التغريد بعيداً؛حيث لا شيء»

تأمُّلاتٌ في مرآةِ قصيدة: «التغريد بعيداً؛حيث لا شيء»؛للشاعر المبدع :طارق ياسين.
بقلم:محمد سلطان الحفاف

-النص الشعري
ـــــــــــــــــــ
ماذا يدور هنا، والكون مزدحم
في داخلي ثورةٌ تعلو وتضطرمُ
فكلُّ ما نالني من صوت ناعيةٍ
غمٌّ كبير به الأحشاء تحتــــــــدم
وقد أعيش طويلا، لا يبارحني
جرحُ الضغينة صعبٌ كيف يلتئم
أصلُ الحقيقة يبقى في مكامنه
فالكلُّ في هرجٍ، يغدو فيلتحــــــمُ
قد كنتُ أصطحب الأفراح مؤتلقًا
والآن أحتمل الشكوى وأنسجم
***********

خرجت منعتقًا من أسر صائتةٍ
لا أرتجي منه غير المحو معتمـــدا
باقٍ هنا أبدًا، صلبٌ أصارعه
لا أطلب الدعم والتحفيز والمـــددا
تفتَّقَ الجرح في أنحاء خارطتي
ينتابني الحزن لا أحصي له عددا
وقد هجرت نميرًا صفوُه كدرٌ
يلوِّث النفس والأحلام والخَلَــــــدا
طردتُه، وأبيتُ الشجوَ، إن لنا
-في غيره- الخيرَ والأنسام والسندا

***********
فحينما عزَّ في التحنان موردُه
في داخلي منهلٌ يُروَى به الشغفُ
قربانيَ الوصل إمَّا أن تجدده
أو تبرح القلب في صمت وتنصرف
لكنني كامنٌ، في البوح أرقبه
ليلٌ طويل به الأضواء تنكسف
هذا أنا أعتلي، إن كنت تجهلني
ورائيَ الكره والتكدير والصلف
ولن أكون حديثا في مسامعه
كطيرِ نحسٍ من الأمطار يرتجف

***********
وبـتُّ أرقب نجمًا ضاءَ جانبه
وسرتُ أتبعُ غيمًا هطلُه غدقُ
عرجتُ منطلقا للمجد في ثقة
يهتاجني شوقه والبوح والألق
وأشتهي لحظة أروي بها ظمئي
ليغمرَ الروحَ لحنُ القولِ والعبقُ
فالحبُّ إن لم يكن سحرًا يخلِّده
شوقُ المحب إذا ما ضمَّهُ الأفقُ
فتركُه سعةٌ، والنفسُ في فرحٍ
وهجرُه بَدَلٌ، والقلب يصطفقُ
ــــــــــــــــــ
-التأملات:
-تقديم يسير
للشعر لغته المستقلة المفعمة بالأسرار والتصويرات الخالبة؛ لغةٌ تصدر عن وجدان عميق ملم إلى حدٍّ بعيد ببواطن الأشياء وظواهرها ؛لغةٌ تجيد فن الإيحاء؛والقدرة على الإثارة والتشويق بعيداً عن الافتعال ؛وغالباً ماتتسم هذه اللغة بتوتر نوعي يسري في تكوينها وتآزر ألفاظها..
وهي في اتجاهها إلى مصافحة ذائقة القارئ أوالسامع ؛إنما تنشد أن تُحدث عنده إحساساً مماثلاً؛لتجربة الشاعر ومعاناته سواء بسواء..
والقصيدة الغنائية في الشعر العربي لها كيانها المتماسك الأجزاء ؛وسلطانها العريق المتجدد؛ومركزها وجدان الشاعر ؛إذ هو ملتصق بها إلى درجة الانصهار في بوتقتها أثناء رصده انفعالاته وخطراته ..
وفي وجدان الشاعر يتجلى لنا الكون مُفعماً بالحياة؛والطبيعة- من سحاب ومطر وهواء وجبال…الخ-نراها ناطقةً بلسانه؛تحيا بحياته؛وتنشط بفاعليته؛ولاسبيل لأن تمتدَّ إليها أيدي الفناء؛إذ هي في حراسة نهره الأبدي..
ونص الشاعر القدير الأستاذ: طارق ياسين؛ يمكن وصفه بأنَّه :«وجداني الوجه؛ واليد؛واللسان»؛ساد فيه صوت الشاعر المتألم ؛سيادةً تسترعي الانتباه؛ وتستدعي التأمل الهادئ..
وسأحاول في هذه القراءة المتواضعة؛ أن أميط اللثام عن بعض خلجات الشاعر المتوارية في نسيج الفيض العاطفي المنبث في ثنايا(تغريده) الآسر المؤثر ..
————————–
-عنوان النص؛ ودلالته الفنية:
يعدُّ مُسمى القصيدة أوعنوانها مدخلاً فنياً لعالمها المائج في تراكيبها اللغوية ؛وبضوئه الساطع؛وإشعاعاته الخالبة يستهدي المتلقي في سعيه الحثيث؛ لالتقاط عناصر النص؛وإبرازها إلى حيِّز الوجود..
وهو إجراء درج عليه دارسو الأدب الحديث ونقاده؛وعدُّوه المفتاح الرئيسي لمعايشة تجربة الشاعر؛وسبر أغوارها؛ واستشفاف ماوراء ذلك من صور وملامح ..
ويقودني هذا التقديم اليسير إلى استقراء عنوان نص شاعرنا؛بادئ ذي بدء ؛واستجلاء أصداء الظلال الفنية التي انبثقت من وراء اختياره هذا العنوان الدقيق «*التغريد بعيداً؛ حيث لا شيء»
ونظرةُ طائر إلى المعجمات العربية تكشف لنا أنَّ لفظة (تَغْريد) في حد ذاتها مفردة ؛وجمعها
(تغاريدُ)؛وجذرها الفعل :غرَّدَ؛والمراد: غناء الطّائر أو الإنسان ..
وتجدر الإشارة إلى أن بعض خبراء “عالم الطير” حاولوا استكشاف سرَّ تغريد الطيور؛ومن ثم عمدوا إلى مراقبتها ؛”فتوصلوا إلى أن تغريدها الآسر ليس مجرد غناء رقيق فحسب؛ إنما هو وسيلة صوتية تستخدمهاللتواصل فيما بينها؛ولاحظوا في هذا الصدد أن الموجات الصوتية لتغريد الطيور لاتتسم بالثبات والجمود ؛وعلى الرغم من أن جميع التغريدات تتراوح ما بين 10: 12 ثانية وتتكرر؛إلا أن نبرة الصوت وشدته دائمة الاختلاف؛وعزوا ذلك إلى اختلاف المواقف التي يلجأ فيها الطائر إلى التغريد!
ولاغرابة-أُسوةً بعالم الطير- أن تختلف نبرة الأداء الشعري لدى شاعرنا ؛وهو يرسل تغريده الشجي في سلسلة نغمات وتره المرنان عبر مقطوعاته الوجدانية؛ وقيمها التعبيرية ..
وحين نمعن النظر في تركيب شاعرنا اللغوي ؛نجده مكوناً من جملتين اثنتين ؛ بينهما فاصلة منقوطة؛ تفضي إلى غاية واحدة ؛فما الذي يرمي إليه شاعرنا؟!
وكيف لنا أن نترجم تغريده الشعري هذا ؛أو أن نجسَّ نبض إحساساته الملتهبة؟!
والذي لاتخطئه العين أنَّ التركيب القائم على الجملة الاسمية هنا؛ لايؤخذ على ظاهره المباشر؛وإنما له مغزى دقيق؛ يتدسس في ذهن الشاعر؛ ويخضلُّ بين جوانحه؛ إذ هو استعار مفهوم (التغريد) الخاص بعالم الأطيار ؛وخلَعَه على نفسه؛ليتواءم مع لغة العصر التويترية من جهة ؛وليؤكد أنَّ أهازيجه النفسية؛وهتافاته الوجدانية التي سيطلقها ؛تراعي إيقاع العصر ..
وجاء بلفظة (بعيداً) المعبرة عن “الحال” لتعميق المعنى ذاته؛إذ رأى في البعد منفسحاً رحباً؛وفضاءً حيَّاً مستوعباً لأنغام أوتاره المرنانة؛وذيوع أصدائها في كل أفق تصل إليه ؛وعزز ذلك التأهب الروحي بتركيب(حيث لاشيء) وهو تركيب قائم على الظرفية المكانية؛متلوَّاً بالتعبير المنفي (لا شيء)
وبهذه التتمَّة أزال كلَّ لبس يمكن له أن يساور المتلقي؛ أو يتسلل إليه تجاه المقصد المنضوي في تلابيب هذه العبارة..
والسؤال الآن :لمن يغني شاعرنا ؟!
وما بواعث أشجانه المحتدمة وملابساتها؟! وما جوهر الأزمة التي أحاطتْ به؛ليجيء تعبيره مشحوناً بالألم ؛ومسربلاً بالغصص الدامية؟!
وقُصارى القول؛ أنَّ شاعرنا حين صاغ عنوانه على تلك المثابة؛أحسب أنَّه كان بصدد (توسيع آفاق المعنى)؛بحيث لاتتأطر نوازعه النفسية؛وأبعاده الإنسانية في زاويةٍ ضيقة؛ولايضرُّ الشاعر إذا سيق عنوانه في إطار المثل العربي القائل: (إياك أعني واسمعي ياجارة)..
وبهذا المبدأ المهذب الذي ألمحت إليه جاء غناء شاعرنا الثوريّ هنا ؛بمثابة من يتحرَّق اشتياقاً إلى عالم جديد؛عالم يخلو من الضغائن والأحقاد وأساليب المكر والخديعة؛وما أشبه شاعرنا “بقابس النار من السماء” الوارد في أسطورة “برومثيوس”؛ذاك الذي انقضتْ عليه جوارح الطير؛وهو يزاول رسالته التنويرية الهادفة إلى نبذ الجهل؛ والأضاليل؛ والغوايات المستحكمة.
ومما يعزز دقة الشاعر في صقل عنوانه على تلك الصورة ؛أنَّ نصه جاء متساوقاً مع (مفهوم التغريد)؛وذلك من خلال تنويعه القوافي ؛في مقطوعاته الأربع المتتابعة ؛على ماسنرى في السطور التالية.
————————–
-جوُّ النص:
يُستحسن -تبعاً للنص وقوافيه المتعددة- تقسيمه إلى عِدَّة مشاهد:
١-مشهدُ انعكاسات صخبِ الأحداث على نفسية الشاعر في (المقطوعة الميمية).
٢-مشهدُ خروجِ الشاعر من الأسر المقيت ؛والبرهنة على سلامة طويته؛ومطامحه العالية؛في(المقطوعة الداليَّة)
٣-مشهدُ اعتدادِ الشاعر بذاته؛والتنويه ببعض نوازعهِ الإنسانية المتسامحة ؛في (المقطوعة الفائية)
٤–تبلورُ رؤية الشاعر لحاضره ومستقبله في (المقطوعة القائية).
————————–
-الرحلةُ في معاني النص وأبعاده الفنية:
انطلق شاعرنا متسائلاً عما يدور حوله من أحداث “يشيب لها الغراب” كما يقال؛وتبدى الكون الواسع لعينيه وبصيرته النفَّاذة مزدحماً بضجيجٍ لاطائل من ورائه ؛وغاصَّاً في مستنقعات الوهم وأوحال الافتراءات الطائشة؛والمغالطاتِ السقيمة؛وأحسَّ -في غمار ذلك-أنَّ في أعماقه موران النيران العاتية المشتعلة؛ وذلك حين صك مسامعه صوتُ ناعية تنذر بالويل والخراب ؛فملأتْ أقطار نفسه غمَّا جثم على صدره؛واستولى على مناطق تفكيره ؛وتمثَّلتْ نفسه الولهى وهي تنزف بجرح الضغينة المستحيل برؤه ..
وهو في غمرة ذلك الشعور الحاد؛مانلبث أن نراه وقد عاد إلى تماسكه ؛فيقرر:أن جذور الحقيقة المستقرة في أعماقة ثابتة ثبات الجبال الراسيات؛وأنَّ مآل صُنَّاع هذا الهرج الصاخب العقيم ؛ أنْ يلتحموا فيما بينهم عما قريب؛أو يشتجر الخلاف بينهم ؛ولذلك فإن صحبته للأفراح؛ والمسرات؛واستشرافه لها في ماضي الزمان واحتفاؤه بها ؛استحالتْ في وقته الراهن إلى شكوى مريرة؛سيقف إزاءها متجلداً بالصبر؛وقابضاً على زمام الانسجام وهناءة البال وارتياحه..
ولبلورة موقفه هذا نجده في انطلاقته الأخرى؛عبر المقطع الثاني ؛يصف رحلة خروجه من الأسر؛نافياً عن نفسه وهن الرجاءات الفقيرة جميعاً ؛باستثناء رجائه في إزالة ماكان غائماً وداكناً من شؤون حياته..
ويمضي في شجونه تلك مؤكدا على بقائه صامداً في وجه الأحداث؛ وفي طريق العواصف المتجهمة؛ ودروبها المتلوية ؛ مستغنياً بنفسه عن طلب المعونات؛ من دعم ومساندة وتأييد؛وماإلى ذلك من معنويات؛حيث إنها لم تعد تعنيه لا من قريب ولامن بعيد..
ذلك لأنَّ الجرح النازف شمل خارطته الكونية؛وتكالبت عليه الأحزان الكثيفة؛ تكالب الآساد على فرائسها؛حتى لم يعد قادراً على إحصاء أشكالها وألوانها..
وحين تبيَّن لشاعرنا فساد ماء النهر ؛وكدورته؛وانعكاس ذلك على صفاء روحه ؛قرر هجرانه نائياً بنفسه عن أوحاله وطحالبه المتمترسة في غياهب قيعانه؛إلى حدِّ أنه طرد كل ذكرى تربطه به؛رافضاً فكرة الحنين إليه؛ومتطلعاً إلى مرفأ آخر ؛تشيع فيه رؤاه الباسمة؛وأمانيه الحالمة ..
وطالما أنَّ ذلك النهر ممتنعٌ عليه ؛ومستعصٍ عليه الإلمام به؛ففي العودة إلى ينابيع نفسه الزكية؛مايبلُّ به صداه؛وينقع من ورائه غُلَّته ..
وفي رفضه لمظاهر التذبذب؛والأقنعة الزائفة ؛يذكر حفاوته بالوصل والروابط المتينة؛لإمكانية القُرب إليه؛وأن ذلك مشروطٌ بتجديد العهد؛ومصداقية الولاء؛وأن مثل هذه المطالب المنشودة المشروعة؛يهجس بها ليل نهار؛مرتقباً أن يسفر صبحها الوضاء؛في أعقاب ليل مدلهم؛تهاوى تماماً ؛ولم تبق له من باقية ..
ويلتفت إلى ذاته في ختام المطلع؛مشيراً ومشيداً بارتقائه مراتب المجد؛ واعتلائه غاربه؛وعلى هذا الجاهل الأحمق أن يعيَ ذلك؛وعليه أن يدرك مغبة مايبذره من كُرهٍ؛وحقد؛وادعاءات فارغة..
وفي السياق نفسه- نرى شاعرنا يربأ بنفسه أن يكون من زمرة المرجفين في الأرض؛أوأن يكون حديثاً عابراً يلوكه هذا الجاهل أو ذاك؛فهو- أي الشاعر-أبعد مايكون عن طير الشؤم والخراب؛الذي يتجلى ضعفه وهشاشته تحت وابل الأمطار المنسكبة؛حيث يرجف منها فزعاً جارَّاً أذيال الخيبة والهوان..
ووفقاً لمقتضيات الرحلة العصامية يبحر بنا الشاعر في مقطعه الأخير؛راصداً مايلي :
-رقابة النجوم المضيئة في عنان السماء.
-ارتياحه للغيث المبعوث رحمةً؛ومتابعته هطوله الغزير المتعاقب .
-اشتهاؤه لحظات الصفاء المترعة بالنغم العذب؛والكلام الناعم ؛والعطور الروحية المبهجة.
-الحب في نظر شاعرنا هو ذلك الشوق المستعر دائماً للقاء الحبيب؛الحب الذي لايعرف الالتواء ؛ويبلغ ذروته عندما يضمُّ الأفق ليل المحبين؛وهم يتنادمون ويتطارحون أسباب الغرام ؛ويتساقون كؤوس أحاديث الهيام ؛ومالم يكن على هذا النسق؛وتراءى للعيان وجهه الشاحب الكابي؛في أزياء حبٍّ مصطنعٍ مبتذل فإنَّ الأولى-حينذاك- والأكثر إمتاعاً للنفس الإنسانية هو نبذه؛ وهجرانه؛والضرب صفحاً عنه..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-بعض سمات النص الفنية :
-طابع النص العام (غنائي وجداني) ؛واتشحت عاطفته بمسحةِ حزن شفيف؛وشعور بالنقمة على نموذج من أراذل النَّاس.

-التزم الشاعر فيه نظام المقطوعة ؛من خلال تعدد القوافي والبحر الواحد(البسيط) هنا ؛وذلك مظهر من مظاهر التجديد الشعري المستمر منذ مطالع عصر النهضة؛وفي ذلك أيضاً قدرٌ من المرونة؛والمهارة اللغوية؛فضلاً عن التواؤم مع فكرة (التغريد).

-اعتزاز الشاعر بفضيلته؛وصمودة أمام الأحداث الجِسام ؛واستعلاء روحه الوثَّابة على مزالق الحياة.
-احتشاد عبارات نصه بالألفاظ الموحية كمثل:عرَّجت:يصطفق؛يرتجف؛يهتاجني…الخ .

-حفل النص بمجموعة من التشبيهات الفنية البارعة؛والاستعارات ؛من مثل :
تشبيه الثورة الداخلية بالنار المشتعلة؛
وتشبيه أحاسيسه بالمنهل العذب على سبيل الاستعارة كقوله:«في داخلي منهلٌ»؛«جرحُ الضغينة»؛الخ.

-استثمار الشاعر عنصري التشخيص والتجسيم كما في قوله:«هجرت نميرًا صفوُه كدرٌ» حيث بثَّ الحياة في النمير؛وقارعَه بالهجران.
وكقوله:«تفتَّقَ الجرحُ في أنحاء خارطتي»
-استقصاء الشاعر تفاصيل العذابات النفسية التي سيطرت عليه؛ من خلال اعتماده لغة التصوير كما في قوله:
«وبـتُّ أرقب نجمًا ضاءَ جانبه
وسرتُ أتبعُ غيمًا هطلُه غدقُ!

-إيماءُ الشاعر إلى ازدرائه مظاهر القبح؛ والتضليل؛والادِّعاءات الزائفة؛وذلك في النص إجمالاً.

– بروز الأفعال المضارعة في النص؛المعتمد فاعلها على الضمير (أنا) مستتراً ؛(أنسجم ؛أشتهي؛أكون ؛يروي؛أرقب ؛أعتلي؛أرتجي؛أطلب؛أعيش ؛أصطحب)؛ إلى جانب الأفعال الماضية المعتمدة على تاء الفاعل: (عرَّجتُ؛سرتُ؛بتُّ ؛هجرتُ؛خرجتُ)؛وفي ذلك مايشي بعمق الجراحات؛وحدَّة سطوتها ؛وفداحتها ؛على نفس الشاعر؛ إلى جانب نقلها الحي للمواقف الدرامية العاصفة بالإيماء إلى الزمن بشطريه :الحاضر ؛والماضي ؛فوق أنها تكشف لنا عن مبلغ اعتداد الشاعر ؛وترفعه عن صغائر الأمور!!

-استعانةُ الشاعر بعض أدوات النفي مثل :(لا؛لم ؛لن)؛إشارةٌ إلى حرارة الانفعال؛وتقويةٌ لموقفه الإنساني الواضح..

-التماع شعاع الحكمة كما في قوله:«فالحبُّ إن لم يكن سحرًا يخلِّده
شوقُ المحب إذا ما ضمَّهُ الأفقُ»

-تسلسل خواطر الشاعر في انتقاله من مقطوعة إلى أخرى؛وتضافرها على رسم أبعاد التجربة.

-تتابع بعض الأسماء المتعاطفة على وتيرة واحدة من حيث العدد؛ كما في الأشطر التالية:
لا أطلب الدعم والتحفيز والمـــددا
يلوِّث النفس والأحلام والخَلَــــــدا
-في غيره- الخيرَ والأنسام والسندا!

وبعد: فقد بدا شاعرنا لرهافة إحساسه ودقة شعوره؛نزَّاعاً متطلعاً -بعدسته المتقدة- إلى سيادة القيم الجوهرية التي بها تستقيم الحياة؛وتصفو الأجواء؛ويعمُّ الرخاء بني الإنسان؛ وتراءى لي في معزوفته هذه كالنجم في كبد السماء؛ وكالمستوحش المنفرد الذي ألمح إليه الشاعر: علي محمود طه في قوله:
كالنجمِ في خفقٍ وفي ومضِ
متفردًا بعوالم السُّدُمِ

حيرانَ، يتبعُ حيرةَ الأرضِ
ومصارعَ الأيامِ والأُمَمِ
•••
مستوحشًا في الأفق منفردًا
وكأنَّه في سامرِ الشُّهُبِ

هذا الزحامُ حيالَهُ احتشدا
هوَ عنه ناءٍ جِدُّ مغتربِ!

ولم يبق لي بعد هذه الجولة التأملية الخاطفة إلاَّ أن أتضامن مع شاعرنا إزاء قضيته الذاتية؛و أشدَّ على يدَيه تلقاء مواجهته صخب الأحداث؛ وجبروتها وعنتها؛ واحتفاظه بهذه الروح المعنوية العالية؛وذلك شأن الماشين على الأرض هوناً؛النائين بأرواحهم عن المياه الآسنة؛والمزالق الوعرة؛نشداناً للكمال المنشود؛وسعياً إلى المجد المؤثل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله

تعليق واحد

  1. هذه القراءة التأملية العميقة الواعية التي أسعدني بها أخي وصديقي الأديب الكبير الأستاذ محمد سلطان الأمير.
    وكانت سعادتي غامرة أن راق نصي لذائقة أديبنا الجميل؛ حتى منحه هذا الوقت للتأمل والقراءة،
    ثم ازدادت سعادتي حينما غاص ذلك الناقد الحصيف في مكامن النص وأتى بدرر لا تتأتى إلا لغواص مثله.
    وكما سعدت حينما أعطاني بقراءته هذه صكا أُبرزُه في أي محفل، وأقول إني شاعر بشهادة أبي أسامة وكفى.
    تقديري لك أيها الرائع
    وامتناني لك
    وحبي الذي تعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: