المقالات

القوة الإعلامية

تعمل القوة الإعلامية بوسائلها التقليدية والحديثة كقوة فاعلة في الدول، وهي تُمثل إحدى قوى الدول إلى جانب قواها التقليدية العسكرية، والسياسية، والدبلوماسية، والاقتصادية، وكانت القوة الإعلامية تعمل كأجير للقوى الأخرى ثم تحولت إلى شريك معها، وأصبحت بقية القوى الأخرى لا تستغني عنها. لما للإعلام بوسائله من قوة في جذب الشعوب، والتأثير فيهم لتهيئتها لتبني أهداف الدولة، مما يجعل لها القدرة على السيطرة على الرأي العام وتوجيهه نحو وجهتها.
وكان الإعلام بتقنياته البدائية يستخدم للهواة ثم نظرًا لتأثيره تحول نحو الاستخدام الرسمي، ثم انتقل للاستخدام التجاري، ثم للاستخدام الشعبي بشقيه التقليدي والحديث. والإعلام بالنسبة للأفراد يُمثل وسائل نقل إلكترونية تنقلهم معنويًا من مكان إلى آخر عبر الزمن بأنواعه الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل؛ فنعيش الماضي عبر التوثيق لكل ما فيه من وقائع وأحداث وحروب، فيكون لدينا فهم عميق لعالمنا أو دوله من حولنا؛ فيزيد رصيد معلوماتنا عنها وكأننا عشنا فيه. كما تجعلنا نعيش الحاضر بكل مجرياته التي لا يمكن أن نعلم بها على المستوى الشخصي؛ فتعزز من وجودنا فيه وتعمق معرفتنا به من خلال رصدها لما فيه من أحداث معاصرة، وفعاليات مختلفة فتزيد نسبة تفاعلنا، كما يجعلنا الإعلام نعيش المستقبل من خلال الاستقراء له، فيقدم لنا صورة عن تحدياته المختلفة والمتغيرات التي ستؤثر على حياتنا مما يعيننا في كيفية التعامل معه والاستفادة منه وتجنب مخاطرة، كما أن أفلام الخيال العلمي تُقدم لنا صورًا عن واقع المستقبل، وبعد ملكية الدول والمؤسسات التجارية لوسائل الإعلام، أصبح هناك الإعلام الشعبي فعبر شبكات وسائل التواصل الاجتماعي، جاء ذلك موازيًا للإعلام الرسمي والإعلام التجاري، لاستغلاله لتحرر الإعلام الرسمي برفع سقف الحرية، وتفنن في صناعة المحتوى الذي أصبح يُنافس الإعلاميين السابقين، وبالنسبة للدول فقد وصفت فيها وسائل الإعلام بأنها الجهاز العصبي للحكومات وسلطاتها في المجتمع مما يُعزز من مكانتها عبر طوفان الكلمة والصورة وتأثيرها على العقول، ومن هنا نجد أن الإعلام من القوى الفاعلة في السياسة الخارجية للدول إلى جانب الرأي العام وصناع القرار؛ حيث يقوم الإعلام بتشكيل الصورة الذهنية لتكون قوة ناعمة للتأثير على الرأي العام العالمي، وتعميم ثقافة الدول عليها لتكوين مجتمع المعلومات.
وتعمل القوة الإعلامية للدول على فرض هيبتها، وتعميق علاقتها مع شعوبها، وتكوين رأي عام وطني يدعم مواقف الدول الداخلية والخارجية مما يُعزز من قوتها أمام خصومها لتوفر قوة شعبية لها إلى جانب قوتها العسكرية، وتمكينها من الاستعمار الثقافي لغيرها من الثقافات، واستخدامها كسلاح للحرب الباردة وتحقيق الهزيمة النفسية لدى الخصوم، ودعم مكانة الدول السياسية والاقتصادية والسياحية وقيام صناعة إعلامية تدعم اقتصادها، والتأثير على مستقبل العالم.
ونظرًا لأهمية القوة الإعلامية للدول كونها تعتبر مصدرًا أساسيًا لنقل المعرفة للجماهير والتعبئة الشعبية، ولذا هي من الضروريات التي يجب أن تهتم بها الدول برعاية ودعم أقسام وكليات الإعلام، والمؤسسات الإعلامية لإيجاد التكامل بين العملية التعليمية بشقيها النظري والتطبيقي، وجانبها الآخر المهني للممارسة المهنية، وذلك لتكوين جيش من الإعلاميين الوطنيين الملتزمين بالقيم والأخلاق الإعلامية المهنية، ولديهم الوعي لدورهم لخدمة أوطانهم بإخلاص عميق لبلادهم حتى لا يكونوا إعلاميين قابلين لخدمة أعداء أوطانهم.
وأن يكون الإعلام من التخصصات المميزة التي تتطلب نوعية متميزة من الطلاب والطالبات ممن يتوفر لديهم الموهبة وهي الاستعداد الفطري للتخصص والقابلية أن يكونوا إعلاميين، وأن تكون الدراسة الإعلامية تجمع ما بين الجانب النظري والتطبيقي لصقل مواهبهم، والاهتمام بجانب التدريب العملي الذي توفره المؤسسات الإعلامية بمختلف أنواعها؛ لأن مجال الإعلام مجال إبداعي بداياته في المؤسسات الأكاديمية ونهايته في مؤسسات الإعلام لإكساب الطلبة القدرة المهنية؛ بحيث إذا خرجوا إلى سوق العمل عملوا بفاعلية لدمج أنفسهم فيه مما يجعلهم يكتسبون الخبرة ليصبحوا بعد ذلك من المحترفين الإعلاميين الوطنيين لخدمة بلادهم.
وأن تكون هناك رعاية خاصة لهؤلاء الطلبة الخريجين بتكوين الجمعيات أو النقابات للعضوية المهنية لاستيعابهم وتدريبهم واستكمال جوانب النقص لديهم لمتطلبات سوق العمل الوطني، ثم التمكين لهم، وتوزيعهم على مختلف وزارات الدول لخدمتها.
عضو هيئة تدريس بقسم الإعلام – جامعة أم القرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى