المقالات

بروتس عدن.. نسخة لم تتعلّم

في السياسة، لا تُقتل المشاريع الكبرى برصاص الأعداء، بل بطعنات الحلفاء. وهذا الدرس القديم، الذي خلّده بروتس حين طعن قيصر باسم الجمهورية، يُعاد اليوم بنبرة محلية وبخطاب أكثر حداثة، لكن بالنتيجة ذاتها.

عيدروس لم يأتِ إلى المشهد كخصمٍ معلن، بل كجزءٍ من المعادلة، وشريكٍ في مشروعٍ حمله طويلًا، وانتفع من مظلته السياسية. غير أن الشراكة، في منطق بروتس، مرحلة مؤقتة؛ تنتهي لحظة يصبح الطعن أكثر ربحًا من الاستمرار.

لم تكن هناك معركة مفصلية، ولا خطر داهم، ولا ضرورة وطنية تفرض الانقلاب. كان هناك فقط قرارٌ محسوب: إعادة التموضع، وتقديم الخيانة بوصفها قراءة ناضجة للمرحلة، وتسويق الطعنة على أنها شجاعة سياسية لا يفهمها «العاطفيون».

الأخطر من الفعل نفسه هو محاولة تبريره أخلاقيًا. أن يُطلب من الناس تصديق أن الانقلاب وعي، وأن الغدر براعة، وأن من طعن من الخلف فعل ذلك لأنه يرى أبعد من الجميع. هكذا تُفرَّغ السياسة من معناها، وتتحوّل المبادئ إلى أدوات مؤقتة.

بروتس، في نهاية المطاف، لم يُنقذ روما، ولم يصنع جمهورية، ولم ينجُ من لعنة الخيانة. والتاريخ لا يتسامح مع من يغيّر موقعه ثم يطالب بالتصفيق، مهما طال الشرح، ومهما بدا الخطاب متماسكًا.

المشكلة ليست في الطعنة، بل في الإصرار على تقديمها كخدمة… والمطالبة من الضحية أن تقول شكرًا. لم يأتِ عيدروس من صفوف الأعداء، بل خرج من عباءة الحلفاء، تمامًا كما خرج بروتس من ظل قيصر. فالطعنات التي تُوجِع لا تُصنع في الخنادق المقابلة، بل في الصدور التي كنا نعتقد أنها آمنة.

لم يحتج عيدروس إلى جيشٍ ليهزم مشروعًا، بل كان الجيش مجرد أداة لمشروع خيانة مبيتة ومغلّفة بدور بروتس: صديق يبتسم، ثم يطعن، ثم يتساءل الناس لماذا سقط قيصر فجأة. بروتس لم يكن أقوى من قيصر، لكنه كان الأقرب إليه. وهنا تكمن المأساة: أن يتحوّل القرب إلى سلاح، وأن يُعاد إنتاج الخيانة بوجهٍ محلي وباسمٍ جديد.

بروتس في روما لم يكن مجرّد خائن؛ كان مثقّفًا، خطيبًا، يؤمن أن الطعن حين يصدر عن صديق يصبح عملًا نبيلًا. ولذلك لم يهرب بعد الجريمة، بل وقف يشرح، ويبرّر، ويطالب الشعب أن يفهم لماذا كان لا بدّ من قتل قيصر.

عيدروس فعل الشيء ذاته، مع فارقٍ بسيط: بروتس احتاج سكينًا، أمّا هو فاستعمل خطابًا ومباغتة غير محسوبة، وكأنه ينفّذ ما يقوله أهل الشام: «كلٌّ من إيده إلو». دخل من باب الشراكة، وتحدّث باسم «المشروع»، ثم قرّر فجأة أن المشروع نفسه خطر على المشروع، وأن الطعنة — كعادتها — إجراء وقائي.

هكذا تُصنع البطولات الزائفة، وهكذا يُقدَّم الهدم على أنه حكمة.

وبينما انتهى بروتس منتحرًا بعد أن اكتشف أن روما لا تحب الخونة مهما كانت خُطبهم بليغة، ما زال بروتس بالنسخة العيدروسية. يشرح، ويشرح، ويشرح… كأن الإطالة في التبرير قد تمحو أثر السكين، وتبرر الخيانة.

أخطر ما في عيدروس أنه لم يكتفِ بدور بروتس؛ بل أراد من الجميع أن يصفّق له، وأن يقولوا له: سمعًا وطاعة.

عيدروس يستعير من بروتس أنه لم يرَ نفسه خائنًا، بل مخلّصًا… وهكذا تُرتكب أعظم الطعنات باسم الفضيلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى