تكريم الانسان بعد رحيله وفاء، أما تكريمه وهو حي فوفاء وتحفيز وأثر متجدد. ومن حق الكفاءات الوطنية التي أسهمت في خدمة الوطن أن تسمع كلمة الشكر والتقدير في حياتها، وأن يسلط الإعلام الضوء على إنجازاتها وتجاربها؛ فأجمل التكريم هو الذي يصل إلى صاحبه وهو بين أهله، ويكون مصدر إلهام لمن يأتي بعده. لما في ذلك من وفاء وعرفان، للتحفيز على العطاء، برفع المعنويات، وإلهام الأجيال الجديدة، وحفظ الذاكرة الوطنية، بتعزيز ثقافة التقدير، لإعطاء القدوة حقها، بتحقيق أثر إعلامي وإنساني. وهذا ما دفعني لتناول مسيرة الإعلامي والصحفي السعودي الأستاذ محمد بن فرج التونسي ورحلة العطاء في بلاط الصحافة والإعلام، فقد ترك بصمته في مسيرة الإعلام السعودي والعربي. فبدأ عمله الصحفي أثناء دراسته الجامعية، وحصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة الملك سعود عام 1978، ثم أصبح معيدا فيها، وأبتعث إلى الولايات المتحدة الامريكية ثم حصل على الماجستير في الصحافة من جامعة أوهايو عام 1985. وله مسيرة إعلامية صنعت الفرق ورسخت قيمة المهنية والريادة الإعلامية، وحين نتحدث عن الأستاذ محمد التونسي فإننا نستحضر أسما أسهم في بناء تجربته وتطوير أدواته، ونجح في الانتقال من مفهوم العمل الصحفي التقليدي إلى فضاء أوسع يقوم على المهنية والتأثير والقدرة على مواكبة التحولات.
وترك حضورا واضحا في مسيرة الصحافة والإعلام، بتجربة مهنية طويلة ومتنوعة امتدت لأربعة عقود، تنقل خلالها بين الصحافة الورقية والإلكترونية والإعلام المرئي والعمل الإعلامي المؤسسي. ولم يكن ينظر للصحافة على أنها مجرد وظيفة، بل تعامل معها باعتبارها رسالة ومسؤولية وصناعة تحتاج إلى المعرفة والوعي والقدرة على قراءة المجتمع. وقد أكسبته الممارسة الإعلامية قدرة استثنائية على العمل في بيئات إعلامية متعددة، وعلى إدارة المؤسسات الإعلامية وصناعة المحتوى المؤثر. وقد شغل عددا من المواقع القيادية المهمة، من أبرزها رئاسة تحرير صحيفة “الاقتصادية”، ورئاسة تحرير صحيفة “إيلاف” الالكترونية، وإدارة قناة الإخبارية السعودية، ورئاسة تحرير صحيفة عكاظ، ثم رئاسة تحرير صحيفة “الرؤية” الإماراتية، كما عمل مستشارا إعلاميا في وزارة شؤون الرئاسة بدولة الإمارات، وتولى كذلك مسؤوليات في مجال الإعلام والعلاقات العامة، قبل أن يتولى منصب المدير العام لقنوات إم بي سي . ووفرت له تجربته الإعلامية الطويلة والمتنوعة مرونة مهنية عالية؛ مما مكنه من أن يتنقل بين الصحافة الورقية والالكترونية والتليفزيون والإدارة الإعلامية والاستشارات، وتوظيف خبرته في كل محطة من محطات عمله بما يتناسب مع طبيعة المرحلة ومتطلباتها. مما جعله قادرا على صناعة الإعلام المؤثر، عبر امتلاك المعرفة الصحفية، والفهم العميق للجمهور، وإدراك التحولات الاجتماعية، وحسن اختيار الموضوعات، والقدرة على تقديم المحتوى بطريقة تجذب المتلقي وتحترم عقله في الوقت نفسه. وهذا وفر له القدرة على إدارة غرف الأخبار والفرق الإعلامية، وتحفيز العاملين معه، ومنحهم مساحة للمبادرة والمواجهة المهنية، مما يعكس مفهوم القيادة الإعلامية التي لا تقتصر على إصدار التعليمات، وإنما تقوم على بناء فريق قادر على الإبداع وتحمل المسؤولية.
وهذا ما جعل تجربة الأستاذ محمد التونسي تقدم نموذجا مهما للصحفي الذي أستطاع أن يجمع بين الممارسة المهنية والمعرفة الاكاديمية والقيادة الإدارية. فالمعرفة تمنح الإعلامي العمق، والخبرة تمنحه القدرة على التطبيق، والقيادة تمنحه القدرة على صناعة الفرق وبناء المؤسسات وصناعة الكوادر الإعلامية. ومسيرته الطويلة تحمل رسالة مهمة للأجيال الجديدة من دارسي وخريجي أقسام وكليات الإعلام من الإعلاميين والصحفيين، إلى أن النجاح الإعلامي لا يأتي من محطة واحدة، وإنما هو حصيلة رحلة طويلة من التعلم والعمل والتجربة وتطوير الذات. وعند استعراض حياته الإعلامية نجدها بين البدايات المبكرة، والتأهيل الأكاديمي، والاحتكاك بالميدان، وتنوع الخبرات، كلها عوامل صنعت من التونسي شخصية إعلامية استطاعت أن تتولى مسؤوليات متعددة في مؤسسات إعلامية بارزة داخل المملكة وخارجها. ولذلك عندما ننظر لشخصية الأستاذ محمد التونسي نرى أربعون عامة في صناعة الإعلام السعودي. مارس الصحافة كمهنة، بما لديه من شغف شخصي، جعل المهنة تمثل رسالة ومسيرة حياة إعلامية، ليترك بصمة باقية وواضحة في عدد من أبرز المؤسسات الإعلامية السعودية والعربية، فكوّن له خبرة تجمع بين العمل الصحفي بتحرير فنونه، إلى جانب القيادة الإدارية، والاستشارات الإعلامية. وهو صحفي يؤمن بالتطوير ومواكبة المستقبل. لاهتمامه بالتدريب وتطوير مهارات الصحفيين، وإدراكه المبكر لأهمية التقنية، فالإعلام بنظره ليس صناعة ثابته، وإنما مجال دائم التطوير يحتاج إلى صحفيين قادرين على التعلم المستمر. ويمكن للإعلاميين الشباب أن يتعلموا من تجربته.
أن الصحفي الناجح لا يتوقف عند حدود تخصصه الأول، بل يظل طالبا للمعرفة، متابعا للتقنية، وقادرا على تطوير أدواته. وهناك إشادات صحفية كثيرة أشادت به ووصفته بأنه شديد الدقة والصرامة في العمل، لكنه في الوقت نفسه يتعامل مع زملائه بمرونة وإنسانية، فالمؤسسة القوية تحتاج إلى قائد يعرف متى يكون حازما ومتى يكون مرنا. ونجد لدى الأستاذ محمد التونسي أربعون عاما من التحول والتجديد الإعلامي، ونجد أن مسيرته تمثل رحلة من تاريخ التحولات التي شهدها الإعلام السعودي والعربي خلال العقود الماضية.
• عضو هيئة تدريس سابق بقسم الإعلام – جامعة أم القرى
مقيم في الولايات المتحدة الامريكية




