كتاب الرأي

الموقف من الحضاة.. فصلٌ من سيرة ذاتية

التغيرات التي عايَشَها جيلي والجيلُ الذي قبله؛ كانت تغيرات حضارية نوعية هائلة؛ لذلك فإنهفي مرحلةٍ مبكرةٍ من حياتي استفزتني وحيَّرتني الوثبةُ الحضاريةُ الأوروبيةُ؛ فبدلاً من البعيروالحمار، وسيلةً للركوب والنقل؛ أصبحنا فجأةً أمام السيارة، والطائرة، والإذاعة، والراديو،والكهرباء، وما لا نهاية له من المخترعات؛ ذات التعقيد المذهل؛ وقد وصِلَتْنا المخترعاتُمكتملةً؛ من دون معرفة الخطوات الطويلة التدريجية التي أدت إلى التوصل إليها، ومن غيرمعرفة سياقها التاريخي الممتد؛ لذلك كان إحساسي بالفارق الحضاري مع الغرب؛ قويًّاومستفزًّا ومحيِّرًا؛ فاندفعتُ في البحث الملح، والاستقصاء الفاحص المدقِّق؛ لمعرفة العواملالتي أكسبتْ أوروبا ذلك التميُّز العجيب؛ لقد غمرني بسبب ذلك إحساسٌ عميق بالجوعالمعرفي؛ ومن ذلك الإحساس القوي تَكَوَّنت علاقتي الحميمة مع الكتاب؛ فصار هو رفيقيالدائم؛ وأمستْ الحقيقةُ والمعرفةُ الموضوعية؛ هي عندي القيمة الأولى، وباتتْ القراءة هيمتعتي الأساسية الكبرى المتجددة، وبِتُّ أعيش بين الكتب؛ أنام محاطًا بالكتب، وأصحو علىرائحة الكتب؛ فرائحتها هي عندي أجمل من أفخر العطور، وأصبحتُ أرى بأن المحرومين منمصاحَبَة الكتب قد حَرموا أنفسهم من أروع وأشهى وأنفع وأدوم مسَرَّات الحياة؛ كنت فيالبداية مندفعًا في القراءة؛ لاستكشاف العوامل التي حقَّقتْ لأوروبا تحولاتها الهائلة التي غيَّرتْبها ذاتها، فتميزتْ بها، وبقيتْ متفرِّدةً ومهيمنةً على المشهد العالمي عدة قرون، وقد تبين ليبعد الاستقصاء؛ بأن فورة أوروبا قد اشتعلت بعوامل لا علاقة لها بالعلم، ولا بالجامعات، ولا بأيفارق ثقافي أو تميُّزٍ عرقي؛ فأهم الأحداث كان الحصار التركي لأوروبا؛ فهذا الضغط أجبرالأوروبيين على تدبُّر المخرج من هذا الحصار. أما أهم المخترعات فقد أنجزها أفرادٌ من خارجدوائر العلم، وخارج الجامعات، وخارج أية خطة عامة؛ ماركو بولو، وجوتنبرغ، وكولومبس،ودافنشي، وجون هاريسون، وريتشارد آركرايت، وجيمس وات، وفراداي، ومندل، وصامويلمورس، وبنيامين فرانكلين، وجون ستيفنز، وإديسون، وهنري فورد، وأندرو كارنيجي، والأخوانرايت، ونوبل، وفريدريك تايلور، وليفنهوك، ولويس داغير، وجراهام بيل، وأوغست أوتو، وكارلبنز، وماركوني، وألبرت لينك، وجون دنلوب، وأخيرًا كلاشنكوف، ووالت ديزني، وستيف وزنياك،وبيل جيتس وستيف جوبز. لذلك فإن العالم حين استوعب الصدمةَ؛ واكتشف السرَّ؛ تمكَّنتْأممٌ أخرى خارج أوروبا أن تُحقق في بضعة عقود؛ ما استغرق الغرب قرونًا لتحقيقه؛ كما هيحال اليابان وتايبيه والصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها. لقد تبين لي أنالفارق؛ قد حدث لأن أوروبا تعرضت لضغط مزلزل اضطرها أن تغير تفكيرها وأن تغيُّر اتجاهحركتها، وأن تبدل اهتماماتها، وأن تغير رؤيتها لمكانة الإنسان ومهمته في الحياة. ولم يحدثذلك على شكل طفرة مفاجئة وإنما امتدت عمليات التحول قرونًا.

لقد برح الخفاءُ؛ فالتغيُّر الأوروبي في البدايات لم يكن علميًّا وإنما كان عمليا، وهو لم يأت علىشكل وثبة خارقة، أو طفرة إعجازية، وإنما التحولات الأوروبية قد استغرق تحقيقها قرونًا مليئةبالكد وبالتعثُّر؛ إنها قرونٌ زاخرة بالمحاولات، والاخفاقات، والتجارب، والأخطاء؛ ولم تبدأالتحولات بدايةً علمية وإنما البدايات كانت عملية محضة، كما أن التحولات لم تأت طبقًا لرؤيةعامة أو خطة مدروسة وإنما معظم الإنجازات حققها أفرادٌ مبادرون منعزلون مكافحون ربمامات أكثرهم من دون أن يستفيد مما أنجزه وربما مات مغمورًا لم ينل في حياته الاعترافوالتمجيد الذي يستحقه. وهكذا فإن معظم التطورات قد جنى ثمارها من لم يكن لهم أي إنجازفارق؛ وهكذا كانت التحولات الأوروبية نتاج الإثارة والتحفز والاندفاع؛ ومثلما يؤكد العالم الرئدفي علم الاجتماع ماكس فيبر الذي يؤكد بأنه لابد من: ((الاعتراف بأن مواقفنا من الحياةوالكون؛ ليست أبدًا نتاجُ تَعاظُم معرفتنا، وأن المثُل  العليا الأشد تحريكًا لنا؛ إنما تتشكَّل فقطفي الصراع)) إن الزمن المديد الذي استغرقه النهوض الغربي؛ يتبين منه بأن الغرب في معظمالمراحل من نهضته كان مندفعًا من دون رؤية، ولا خطة، ولا معرفة؛ لذلك كانت مسيرته مليئةبالمحاولات والصراعات والاخفاقات والفشل والأخطاء؛ وفي النهاية تكاملت الجهود، وأثمرتالمحاولات؛ فتحققت هذه التحولات النوعية العظيمة؛ إن الذي وصِلَنا هو الثمار بعد تمامالنضج؛ فإبهار المنجَزات مصْدره الجهل بالتاريخ الطويل الذي استغرقه إنجازها؛ إن الاصطدامبالمنجزات المعقدة المذهلة المكتملة؛ يُخفي أن عملية التكوين الأوروبي الحديث قداستغرقت قرونًا من الصعود والانحدار، والأمل واليأس، والانتصار والانكسار، ؛ لكن من حسنالحظ أن التاريخ قد حفظ كل خطوات التجربة الغربية، ووصَف الإخفاقات والنجاحات؛ فتعرفتْالبشريةُ على شروط النهضة؛ وصار ممكنًا أن تتحقق النتائج خلال عقود وليس خلال قرون؛ إننيحين أدركتُ ذلك؛ تَبدَّد انبهاري كليا بالحضارة الغربية؛ فإذا عُرف السبب بطَل العجب؛ فقدصارت نتائجها الباهرة معروفة الأسباب؛ فانتهى الانبهار ولكن بقي الإعجاب في الجوانبالإيجابية العظيمة للحضارة الغربية؛ فرغم نقائصها الكبرى؛ فإنها قد حققت للإنسانية مكاسبعظيمة تفوق الحصر؛ إن النقائص ليست ناتجة عن الحضارة ذاتها وإنما هي ناتجةٌ عن نقائصالطبيعة البشرية؛ فالغربيون مثل غيرهم تحركهم النقائص البشرية. لكن المهم أن العالم كلَّهقد تغيَّر بتفهُّم واستيعاب التغيرات النوعية التي أنجزها الغرب؛ إن الحضارة الغربية هيالحضارة الوحيدة التي التقى العالم كله حول منجزاتها؛ وهي الحضارة الوحيدة التي صارتمنجزاتها مُشتَركًا إنسانيًّا عامًّا، وهي الحضارة الوحيدة التي صارت منجزاتها معيارًا لكل الأمم،فيوصف الشعب بأنه متقدم اجتماعيًّا وتعليميًّا وصناعيًّا وإنتاجيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، أو يوصفبأنه متخلف قياسًا بما يحققه في مضمار الحياة طبقًا للمعايير التي أوجدتها الحضارة الغربية. إن الأوروبيين قد حققوا للجنس البشري تغيرات نوعية هائلة لم يعد بإمكان أية أمة أن تعيشمن دونها؛ لقد أحدث الأوروبيون منجزات صارت إنسانية عامة خالدة. كان الاهتمام بالمعرفةالموضوعية اهتمامًا فرديًّا معزولاً عن حياة المجتمع؛ كما هي حال ابن الهيثم أو ابن النفيس أوالكندي أو ابن رشد أو ابن سينا أو الرازي أو الفارابي أو غيرهم من الأفراد الذين بزغوا فيالحضارة العربية لكنهم كانوا يمثلون اهتمامات فردية غير مؤثرة إيجابيًّا في المجتمع؛فالحضارة الغربية هي الحضارة الوحيدة التي جعلت العلوم الدنيوية، والمعرفة الموضوعيةوالفكر الفلسفي مشتركًا إنسانيًّا عالميًّا عامًّا؛ فالفلسفة، والعلوم، والمعرفة الموضوعية؛ هيأساس رؤيتها في الحياة، وعمادها في العمل، ومُرشدها في التنمية.

تلك هي النتيجة التي انتهيتُ إليها بعد البحث الممض والاستقصاء الدقيق، وقد عبَّرتُ عن هذاالمعنى تكرارًا وبوضوح؛ في اللقاءات التلفزيونية، وفي المحاضرات، وفي الحوارات الصحفية،وفي المقالات التي امتدت ثلث قرن، وأخيرًا في المؤلفات المطولة. ولكن هذا المعنى لم يصلكما أردته مثلما يحصل مع كل الكُتَّاب والمؤلفين؛ إن كثيرين قد أساؤوا فهم موقفي منالحضارة الغربية، وموقفي من الحضارة الإسلامية، ورغم أني كنت أعلم عن طريق التعليقاتوالاتصالات وغيرها بوجود سوء الفهم؛ لكني كنت أعتبر سوء الفهم شيئًا طبيعيًّا؛ فسوء الفهمهو الأصل فلا أحد يتلقى ما يقال بنفس الدقة التي يريدها القائل خصوصًا في المسائل الخلافيةالمعقدة كالموضوعات الحضارية؛ لذلك نجد أن كل المؤلفين والكُتَّاب يشكون مر الشكوى منإساءة فهم ما كتبوا أو قالوا؛ وبسبب سوء الفهم المتكرر مع الكل؛ بدأتْ فكرةُ موتِ المؤلِّف وإنكان هذا المفهوم قد امتد وتنوعت تجلياته. المهم أنني كنت أعلم بوجود سوء فهم؛ إلا أن ماوقع لي في إحدى الجامعات؛ قد أكَّد لي ذلك بشكل صارخ؛ فقد دُعيتُ لإلقاء محاضرة؛واستُقبلتُ من العميد والأساتذة بشكل كريم رائع. لكن كان في الجامعة أستاذٌ غير سعودي؛حَشَدَ الطُّلاب ضد المحاضرة؛ وقد أحسستُ منذ بداية اللقاء؛ بوجود احتشادٍ مضادٍّ؛ حيثاحتل صغار الطلاب مقاعد الصفوف الأولى؛ وكان من الواضح أنهم متهيؤون لإفساد اللقاء. وماأنْ بدأتُ حتى اعترض ذلك الأستاذ وصار يصرخ معارضًا ومحتجًّا وخرج من القاعة وهو يومئللطلاب؛ فاستجابوا له وخرجوا من القاعة في حركة جماعية؛ كان من الواضح أنها مُرَتَّبة منقبل. إن ترتيب ذلك لابد أنه مبنيٌّ على تصوُّرٍ خاطئ مسبق عني؛ وكنا آنذاك في فترة استقطابٍحاد؛ فطُرِحَتْ الواقعةُ في شبكة التواصل الاجتماعي فاندفع الناسُ مؤيدين للمحتج الذياعتبروه منافحًا عن الحضارة العربية، ضد من تَوَهَّموا أنه من دعاة التغريب ووصل عددالمهاجمين أكثر من مليونين، وأمعن في التحريض والإشعال اثنان من أبرز من يتصدرونالمشهد الثقافي في المملكة !!!. لكنني لم أنزعج بل لم أهتم ورأيت أن هذا الطوفان المضاد؛بمثابة تزكية لصحة المسار؛ فكثرة المندفعين لا تدل إلا على أن الناس يمكن إثارتهمواستخفافهم للاندفاع في أي اتجاه يدغدغ العواطف. ثم إن معرفتي بالطبيعة البشرية؛ قدأكسبتني مناعة؛ فلم أعد أعبأ بالمواقف المضادة؛ لأنني قد كوَّنت قناعاتي عن طريق البحثالممض، والاستقصاء الملح، وصِدْق المسعى، لذلك لم ألتفت لما يقال بل بقيت أُعَبِّر عنأفكاري بكل الوسائل المتاحة.

إنني وأنا أكتب سيرتي الذاتية أردتُ أن أبين رؤيتي عن الحضارة الغربية؛ إنني أقدم ذلك لمنيهمه أن يعرف الحقيقة. أما من يتخذ موقفًا سلبيًّا مسبقًا؛ فلا يجدي معه أي توضيح، إنه لنيلتفت لأي حجة، ولن يَقتنع بأي برهان؛ فرغم أنني مازلت أرى بأن الحضارة الغربية؛ قد أوجدتْنمطًا جديدًا للحياة مغايرًا لكل الحضارات السابقة؛ وقدَّمت نموذجًا ناجحًا للتنمية في مختلفالمجالات الصناعية والزراعية، واكتشفت مصادر جديدة للغذاء؛ وعلى سبيل المثال؛ لم يكنالبطاطا معروفًا كمصدر غذائي ولكن في القرن الثامن عشر تم إثبات أنه مصدر غذائي عظيمفأصبح من أهم المصادر الغذائية في العالم؛ كما أن الحضارة الغربية قد أحدثت أساليب رائعةلتوجيه وتنظيم وحشد طاقة أي مجتمع في المجال الذي يراد إنجازه والانتظام في مواصلةالانتاج، وابتكرت أساليب متطورة لإدارة الحياة؛ إن الغرب قد أنجز إنجازات حضارية هائلة؛تغيَّرت بها الحياة الإنسان في كل أقطار الأرض؛ على النحو الذي عبَّرتُ عنه في بداية هذا الفصل؛لكن حضارة الغرب رغم الانجازات العظيمة التي أضافتها للحضارة الإنسانية؛ فإنها ماتزالمشحونة بالنقائص، مليئة بالسوءات؛ فالبشر مهما ازدهرت بلدانهم؛ في العلوم، والفنون،والصناعات، والاقتصاد، ومهما نالوا من تعليم؛ فإنهم يبقون طوفانًا غير عقلاني؛ إن اقتناعي بأنالحضارة الغربية معاقة بإعاقات شديدة؛ قد دفعني لتأليف كتابٍ كاملٍ بعنوان (حضارة معاقة)لكن الحضارة الغربية رغم إعاقاتها الشديدة؛ فإن الأفراد الخارقين؛ من الفلاسفة، والحكماء،والأدباء، والعلماء، والمفكرين، والقادة المجربين؛ قد قدَّموا للجنس البشري؛ من الأفكاروالتصورات والرؤى؛ ما يساعده بأن ينعتق من نقائصه؛ فالقابليات البشرية؛ إذا بوشرت مبكرًامادامت فارغة؛ بما هو مناسب معرفيًّا وإنسانيًّا وأخلاقيًّا؛ فإنها تُعطي إمكانًا مفتوحًا عظيمًالإحداث تحول نوعي إيجابي.

إن معضلة العقل البشري هي معضلةٌ بنيوية؛ وذلك أن الإنسان لا يولد بعقل جاهز وإنما يولدبقابليات فارغة؛ فيتبرمج كل فرد بالأسبق إلى قابلياته؛ ثم يبقى محكومًا بهذا الأسبق إليه مهماكان المحتوى والاتجاه؛ ليس فقط على مستوى عموم الأنساق الثقافية المتوارثة؛ وإنما أيضاعلى مستوى التفاعل اليومي بين الأفراد داخل كل نسق ثقافي، أو على مستوى التفاعل بينالأنساق؛ فلكل فرد بنية ذهنية تختلف عن كل البنيات الذهنية الأخرى؛ وبسبب هذه الاختلافاتالحتمية بين الأنماط الذهنية لكل الأفراد؛ فإنه يشيع سوءُ الفهم؛ لذلك يقال: ((الناس اتفقواعلى أن لا يتفقوا)) لذلك فإن أية معلومة خاطئة، وأية شائعة مدمرة؛ فإنها حين تنتشر تحتلالعقول وتَرْسَخ؛ ومع الزمن تتنامى وتزداد اشتعالاً؛ فالتصحيح لا يُجدي، إن محاولة التفنيد تزيدالمعلومة الخاطئة انتشارًا، وتزيد الشائعة اتقادًا؛ فما يتلقاه العقل أوَّلاً يبقى مهيمنًا عليه مهماكان محتواه مضادًّا لكل الحقائق؛ ومثلما يقول فيلسوف العلوم توماس كون في كتابه (بنيةالثورات العلمية): ((إن تحوُّل الولاء من نموذج إرشادي؛ إلى نموذج إرشادي آخر؛ هو تحوُّلٌ أوانقلابٌ في الخبرة؛ لا يمكن فرضه قسرًا)) ويؤكد بشواهد حاسمة بأن الإنسان يبقى متمسكًابالأسبق إلى عقله؛ فلا يقنع بأي برهان، ولا يلتفت لأية حقيقة مضادة؛ فيقول توماس كون: ((تبقى المقاومة مدى الحياة)) وينتهي توماس كون إلى تأكيد: ((أن المقاومة أمرٌ حتميٌّ)) فإذاشاع سوءُ فَهْمٍ، أو انتشر أيُّ خطأٍ؛ فإن الناس يظلون متمسكين بما شاع أوَّلاً؛ مهما كان خاطئًا؛ومهما تضافرت البراهين النافية؛ إن هذه معضلة بشرية عامة كبرى ذات نتائج فظيعة؛ نتائجقد تكون مدمرة وتبقى ممتدة زمانًا ومكانًا؛ إنها نتاج الطبيعة البشرية وليست خاصة بشعب مندون آخر؛ فكل إنسان يولد بقابليات فارغة؛ فيتشكَّل عقله بالأسبق إلى قابلياته؛ إن عقل الفرديكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه؛ ثم يصبح هذا الأسبق هو الأساس ويظل هذا الأسبقيدافع تلقائيًّا عن ديمومته، إن كل أسبق يملك ديمومة الأسبقية، إن طاقة الاستمرار ذات فاعليةتلقائية؛ إنها معضلة العقل البشري؛ وبسبب ذلك ظلت الأمم تتوارث الأنساق الثقافية التيتكوَّنت تلقائيًّا خلال أزمانٍ سحيقة، ولم يستطع التعليم ولا الجهود الفلسفية ولا العلوم الحديثةأن تزحزح هذه الأنساق عن هيمنتها على العقل البشري، ولنفس السبب لا يتم قبول أية نظريةعلمية جديدة حتى يموت الجيل الذي نشأ على نظريةٍ أسبق؛ فتأتي أجيالٌ لم تتبرمج بما هومضاد؛ على النحو الذي برهن عليه توماس كون في كتابه (بنية الثورات العلمية) وما أكدهبمنتهى الوضوح عالم الفيزياء الشهير الحائز على جائزة نوبل ماكس بلانك الذي أكَّد أن هيمنةالأسبق تقيد العقل وتمنعه من قبول الحقيقة حتى عقول كبار العلماء؛ وأن الاكتشافات العلميةالجديدة تظل مرفوضة حتى يموت العلماء الذين اعتادوا على نظرية مغايرة؛ يقول ماكس بلانكفي مذكراته: ((من النادر أن يشق أي اكتشافٍ علمي مهم؛ طريقَه عن طريق الفوز التدريجي علىالمعارضين له؛ فما يَحْدُث بالفعل هو أن المعارضين لأي اكتشاف أو ابتكار؛ يموتون وبعد ذلكتعتاد الأجيال الجديدة على الاكتشاف)) وقبل كُلٍّ من توماس كون، وماكس بلانك؛ أكدالفيلسوف شوبنهاور بأن: ((كل حقيقة تمر بثلاث مراحل: أولا_ تكون الحقيقة موضع سخرية. ثانيا_ تتم معارضتها بعنف. وفي النهاية يتم تقبلها على أنها حقيقة واضحة لا تحتاج إلى دليل))ولكن رغم أن الأسبق إلى العقل؛ أيًّا كان مضمونه؛ هو العائق المعرفيُّ؛ الأشد صلابةً، والأقوىحضورًا، والأكثر عنادًا؛ إنه تلقائيُّ الهيمنة، وتلقائي المقاومة، وتلقائي الرفض لأي مغاير، وتلقائيُّالصمود أمام أقوى البراهين؛ ومع أن هذا الضرر الفظيع الناتج عن هذه الطبيعة للعقل؛ يمسكل فرد، ويمس كل المجتمعات، ويمس الجنس البشري بأكمله؛ حيث أن الأسبق مهما كانخاطئًا؛ فإنه يظل مقاومًا لأي برهان؛ رغم كل ذلك؛ فإن التعليم النظام في كل العالم يتجاهلهذه المعضلة، أو لم يعطها ما تستحقه من التحليل والإفصاح والتشريح، بل إن طريقة تلقينالمعلومات في المدارس والمعاهد والجامعات؛ توهم بعكس ذلك تماما؛ حيث تُقَدَّمالمعلومات بوثوق وحسم؛ فيبقى الدارسون يجهلون طبيعة عقولهم ويجهلون طبيعة المعرفةالتي استناموا لها وبها؛ إن مئات الملايين من الدارسين في كل العالم يجتازون  كلَّ مراحلالتعليم من دون أن يكونوا مدركين لطبيعة أدمغتهم، وطبيعة عقولهم، ويبقون في الغالبيجهلون بأنهم لم يولدوا بعقول ناجزة، وأنهم قد تبرمجوا تلقائيًّا بما في البيئات التي نشأوافيها؛ وأن هذه الطبيعة للعقل تجعل تأثير السنوات الست الأولى من حياة كل مولود؛ تأثيرًاحاسمًا. وحتى بعد أن يَكْبر؛ فإن المعلومة التي يتلقاها الإنسان تُبرمجه؛ فإذا كانت المعلومةخاطئة؛ فإنها تصير إعاقة معرفية. إن الجهل بطبيعة العقل، والجهل بطبيعة المعرفة، والجهلبطبيعة تفاعل العقل مع الواقع؛ ليس جهلاً بمسألة من المسائل؛ وإنما هو جهلٌ بنيويٌّ،ومفصليٌّ مدمر؛ على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الأُسر، وعلى مستوى المجتمع، وعلىالمستوى الإنساني بأكمله.

وأعود لسيرتي، ومجاعتي المعرفية، وعلاقتي بالكتاب؛ إنني بشغفي المعرفي، وتعلقي بالكتاب؛مدينٌ للسنوات المبكرة من حياتي؛ فقد اجتاحتني تساؤلات ملحَّة حول مكانتنا في الوجود،والمكان الذي تحتله حضارتنا بين حضارات العالم؛ وخصوصًا حضارة الغرب التي بدَّلَتْ كلشيء؛ لقد سبَّبتْ لي تلك التساؤلات؛ ما يشبه المجاعة المعرفية؛ إن المجاعة المعرفية؛ أشدإيلامًا من المجاعة المعيشية؛ فليس أقسى، ولا أشد إلحاحًا من جوع العقل؛ فالعقل حينتجتاحه التساؤلات العميقة؛ يكون جوعه ملحًّا، وضاغطًا، وموجعًا، وحادًّا، وصاخبًا؛ فقد عشتُككل الأطفال من جيلي في صحراء نجد؛ طفولةً شاقةً وبائسةً من الناحية المادية؛ لكن كانتمجاعتي المعرفية أشد إيلامًا؛ فقد غمَرَتْني مبكرًا تساؤلاتٌ حادة وحارقة؛ فرغم أن حياة الفقرفي سنوات طفولتي؛ كانت عامة وثقيلة وعسيرة وبائسة، وأن كل البيئة التي عشت فيها كانتحياة فقر ونكد وتعب وكد، وأن أغلب الأطفال في قرى نجد في جيلي لم يعرفوا لهو الطفولةوراحتها المزعومة؛ فالحياة كانت جادة وحادة منذ بزوغ وعي الطفل؛ إلا أنني كنت أغبط أشدالأطفال فقرًا، حين أراهم فارغين من الهم المعرفي؛ فأُدرك أنهم لا يعرفون التساؤلات الحارقة؛لقد حاصرتْني في مطلع حياتي؛ تلك التساؤلات وكنت لا أزال في أواخر مرحلة الطفولة؛ تساؤلاتٌمعرفية عميقة، وتساؤلات وجودية محيِّرة؛ ومن المحال أن تكون لها إجاباتٌ حاسمةٌ مُطَمْئِنَةٌ؛بل تفرُّ منها الإجابات؛ إنها تساؤلات يتفجَّر منها الفؤاد، ويَغلي بها الجسد، فلا تسمح أحيانًابالنوم المريح؛ فكان الناس والأطفال الآخرون ينامون، وأنا أتقلب في فراشي؛ فالليل طويلٌ،والناس نيامٌ، والسكون قاتلٌ، والقلق ضاغط، والليل يأبى أن يتحرك، والعقل يأبى أن يكفَّ عنالتساؤل، والنفس تأبى أن تطمئن، والوقت يأبى أن يتحرك؛ فالغليان دائم، والتوتر مستمر،والوقت ثقيلٌ لا يكاد يتحرك.

وكان يريحني بعض الراحة؛ أنني كنتُ أعتقد بأن الإجابة على التساؤلات الحارقة؛ لابد أنـهاموجودة في الكتب؛ فكنت أقرأ أيَّ كتابٍ أستطبع العثور عليه لكن البيئة كانت مُقْفِرة فما هومتاحٌ آنذاك من الكتب قليل وما يوجد منها لا يتناول القضايا التي كانت تشغل ذهني وأنا مازلتصغيرًا، ومن دون مال. وفي نهاية عام 1383 وبداية عام 1384حصلتُ على شهادة المرحلةالإعدادية المتوسطة؛ فانتقلتُ من القصيم إلى الرياض وصرتُ أذهب راجلاً كل مساء إلىالمكتبات التي كانت منتشرة على شارع البطحاء؛ مثل (مكتبة النهضة) و(مكتبة الرياض)وغيرهما أُقَلِّب الكتب وأقرأ واقفًا لأنني لا أملك قيمة الكتاب لأشتريه. وخلال مدة قصيرة منانتقالي إلى الرياض؛ تم الإعلان عن مسابقة وظائف بالمديرية العامة للجوازات والجنسية؛فنجحتُ في المسابقة وتعينتُ بوظيفة رسمية براتب شهري يقلُّ عن خمسمائة ريال لكننيأصبحتُ أملك دخلاً شهريًّا يضمن لي طعام الكفاف وأجرة السكن. أما ما يبقي من الراتبالشهري؛ فأصرفه على شراء الكتب، فقد أصبحت شديد النَّهَم بالقراءة؛ وكنت أجد متعةً غامرةًحين أقرأ كتابًا أنا اخترته؛ لذلك كنت أقرأ طول الوقت ولا أتحرك إلا ومعي كتاب لأنتهز أية فرصةللقراءة أو التصفُّح. كنتُ أبحث عن كتبٍ مترجَمة؛ فقد كان اهتمامي يتـركَّز حول قضايا عديدةمن أبرزها؛ معرفة الأسباب التي جعلت أوروبا تنفصل عن نمط التكرار الأبدي، وتنعتق من حالةالدوران الأُفُقي، وتَثِبُ وثبتها العظيمة التي مكَّنتها من أن تتحكَّم بالأمم، وأن تتصدر المشهدالإنساني، وأن تُحدِث كل هذه التغيرات النوعية في الحياة البشرية، فتكتشف قارات لم تكنمعروفة، وتغزو أوطانًا بعيدة؛ وعن طريق العلم والاختراع والتنظيم؛ أنجزتْ هذه التغيراتالنوعية الهائلة في الحضارة الإنسانية؛ فسادت بها الدنيا. كنت منبهرًا بالحضارة الغربية، وكنتأشعر بألم شديد بسبب تخلف العرب والمسلمين؛ وكنت أريد أن أعرف العوامل التي مكنتالغرب من ذلك التميُّز الخارق. لكن ذلك الانبهار بالغرب سوف يزول تمامًا؛ حين تعمَّقتُ فيدراسة تاريخ أوروبا، فبعد التأمل الطويل وبعد البحث الموغل؛ سوف أكتشف بأن الجهل هوالأصل على المستوى الفردي، وأن التخلف الحضاري؛ هو الأصل على المستوى البشري كله، وأنتاريخ الحضارة بأكمله؛ ما هو إلا لمحة خاطفة في التاريخ السرمدي الذي قضاه الإنسان طريدًامتنقلا تائهًا، وأن الإنسانية كلها باختلاف أممها؛ ماتزال في مرحلة البدايات، وأن انعتاق أوروبا منأسر التاريخ؛ قد تحقق ضمن ظروف تاريخية ضاغطة؛ استنفرت طاقات الإنسان الأوروبي؛واضطرته بأن يبحث عن مسارات بديلة؛ فصار من نصيبه أن يحقق انعتاقًا نسبيًّا من الأسرالتاريخي قبل انعتاق غيره.

لقد أدركتُ بعد البحث الممض؛ أن عمر الحضارة قصير شديد القصر، وأن الفارق، بين مجتمعٍآخذٍ في الازدهار ومجتمع باقٍ في مساره النسقي التاريخي؛ هو اختلافٌ في اتجاه الحركة، وفيأنواع الاهتمامات، وفي الهمِّ المحوري الذي يتحرك به المجتمع، كما أنه محكومٌ بأسلوبالتنظيم الذي يدار به المجتمع، وكل ذلك مرهونٌ بالظروف التاريخية، وفي استثمار التراكمالحضاري؛ فالإنسان الغربي؛ لا يختلف عن الإنسان الشرقي، وأن التغيرات النوعية التي حققتهاأوروبا؛ كانت بسبب عدد من العوامل الموضوعية من أبرزها؛ الضغط التركي، وانسداد سبلالتواصل بين أوروبا والعالم، والتنافس الشديد بين الدول الأوروبية وتزاحمها على الصدارة؛وعوامل أخرى استفزت فرديات خارقة مثل كولومبس، لقد غيرت أوروبا اتجاه حركتها، وبدلتاهتماماتها؛ فتضافر عددٌ من العوامل فتحت لها مجالات التغيير، وأدَّت لظهور فردياتاستثنائية خارقة مثل دافنشي، وكوبرنيكوس، وجاليليو، وفرنسيس بيكون، وشكسبير، وديكارت،ونيوتن، وجون لوك، وديفيد هيوم، وآدم سميث، وإدوارد جيبون، وجيمس وات، ورتشاردآركرايت، وفرداي، وآخرين؛ إن الأفراد الخارقين، والظروف الاستثنائية التي أحاطت بهم؛ قدانجلت عن تغيير لاتجاه النمو وتبدُّل في الرؤية، واكتشاف طرق جديدة؛ لحشد الطاقةالإنسانية، وتنظيم الجهد؛ لقد كان ذلك كله نتاجًا لظروف تاريخية، ومصادفات، وأحداث،وتقلبات، ومنافسات، وصراعات؛ فالإيجابيات التي تراكمت فأنتجت التحولات الأوروبية الخارقة؛لم تكن ثمرةً لخططٍ واعيةٍ، وإنما هي اندفاعات، وتدافعات، وصراعات؛ انجلت عما يعيشهالعالم من تطورات اجتماعية وثقافية وفكرية وعلمية وتقنية على النحو الذي يعيشه العالم. كما اتضح لي بأن العقلانية التي سادت في الغرب؛ في القرون الماضية منذ نهاية القرن الخامسعشر، والعقلانية السائدة حاليًّا في كل العالم؛ لم تكن عقلانية أفراد ولا عقلانية مجتمعات ولاعقلانية أنساق ثقافية وإنما هي عقلانية، اتجاه، وعقلانية قوانين، ودساتير، ونُظُم، ومؤسسات؛فالبشر عمومًا في الغرب، وفي الشرق، في الماضي والحاضر؛ مازالوا غير عقلانيين. أما التحولاتالحضارية؛ فتقوم على ومضات إبداعية فردية خارقة؛ وتطبيقات عامة لهذه الومضات الإبداعيةالخارقة. وقد برهنتُ على ذلك في كتابي (الريادة والاستجابة)

إن المجاعة المعرفية التي تأجَّجَتْ مبكرًا، قد ربطتني بالكتاب وشدتني إلى البحث فقد كنتُأبحث عن إجابةٍ مقنعة؛ لهذا الانعتاق الباهر؛ الذي انفردتْ به أوروبا. لكن البيئة كانت مقفرة؛فقد كنا آنذاك نعاني من مسغبةٍ أو مجاعةٍ معرفيةٍ؛ ففي ذلك الزمن كانت الرقابة علىالمطبوعات بالغة الشدة، فالكتب الفلسفية، والفكرية كانت ممنوعة؛ بل كانت الرقابة الحادةالقاطعة؛ تُراقب وتَقرأ حتى الجرائد والمجلات الوافدة من الأقطار العربية الأخرى؛ قبل السماحبتوزيعها؛ فكان مثلا يتم توزيع مجلة العربي وفيها سطرٌ مطموسٌ طمسًا كاملًا، وأحيانًا نجدعبارةً واحدةً مطموسةً في كل النسخ !!!، أي أن الرقيب يضيق بكلمة واحدة في مجلة أو جريدة!!! وأحيانًا لا يتم توزيع المجلة إلا بعد نزع صفحة أو عدد من الصفحات وهذا نموذجٌ يوضحكيف أن الرقابة على المطبوعات كانت بالغة الصرامة والشدة والتدقيق، وكيف أن العقلالمحلي كان محاصَرًا، حصارًا يضيق بكلمة أو عبارة في مقال بمجلة العربي، أو روز اليوسف أومجلة طبيبك؛ وأجزم بأن تلك المجاعة المعرفية كانت بسبب جهل المراقبين؛ فهم يبالغون فيالاحتياط؛ فيمنعون أي شيء؛ يُحتمل أدنى احتمال أن يثير مشكلة. ومن الوقائع ذات الدلالة علىشدة الرقابة على المطبوعات، أن أحد المشايخ، كان قادمًا من الهند إلى مطار الرياض، وكان فيالهند؛ يعمل معلمًا دينيًّا منتدبًا رسميًّا من المملكة من الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة،وكان معه كتبه ومراجِعه الدينية، ومنها كتاب (كنز العمال) وهو كتابٌ تراثيٌّ حتى النخاع؛فصادره الرقيب. لأن الشيوعية كانت آنذاك ذات نشاط عالمي محموم بوجود الاتحادالسوفييتي؛ فالرقيب رغم وضوح أن الكتاب إسلامي محض؛ إلا أنه شعر بالفزع من مُفردة(العمال) فهذه المفردة كانت مدانة لأنها قد وردت في البيان الذي أصدره كارل ماركس ففيهعبارة: ((يا عُمَّال العالم اتحدوا)) هذه الواقعة تؤكد كيف كان الرقيب يمنع ما لا يُمنع. وهناندرك عَظَمَة الانفتاح العظيم الهائل الذي تحقق في عهد الملك سلمان ومحمد بن سلمان. كانالموقف المذهبي يخيف الناس من الفكر الوافد، وكان يتم ترويج معلومات خاطئة، أو غيردقيقة؛ وعلى سبيل المثال كان الشائع بأن كُتُب كارل ماركس كلها إلحاد ودعوة إلى الإلحادوحين حصل الانفراج وتم الاطلاع على أهم كتبه وهو كتابه (رأس المال) اتضح أن الهمَّ الذيكان يستغرق تفكير كارل ماركس هو هَمٌّ اجتماعيٌّ واقتصاديٌّ محض. صحيح أن ماركسكشخص كان ملحدًا لكن كتاباته كلها كانت في المجال الاجتماعي والاقتصادي؛ فالجانبالاجتماعي هو الذي كان يستغرق اهتمامه.

وأعود لقصتي مع الجوع المعرفي؛ ومداومتي اليومية للذهاب للمكتبات والقراءة واقفًا لعدمقدرتي على الشراء؛ فبينما كنتُ أُقلِّب الكتب في إحدى مكتبات الرياض وجدتُ كتابًا مجلدًامطمورًا تحت الكتب وكان عثوري على ذلك الكتاب؛ إيذانًا بأني قد أمسكتُ بطرف الخيط الذيسيأخذني إلى وجود الإجابة عن تلك التساؤلات الحادة الحارقة. إنه كتاب (قصة الفلسفة)تأليف ول ديورانت الفيلسوف الذي كتب التاريخ بعقل الفيلسوف وقدَّم الفلسفة بأسلوبالأديب. إن الكتاب ترجمة الدكتور فتح الله محمد المشعشع؛ فسألتُ صاحب المكتبة عنالقيمة؛ فإذا هو يَصْدمُني بأن قيمة الكتاب (35) ريالاً وهو مبلغٌ كبيرٌ جدا في ذلك الوقت؛ قياسًابما يمكنني دفعه، ومقارنةً بأثمان الكتب آنذاك لكن لأنه كتابٌ فلسفيٌّ؛ فإن الأصل أنه ممنوعٌبيعه وممنوعٌ تداوله؛ ففي عرْضه وبيعه نوعٌ من المخاطرة بالنسبة لصاحب المكتبة؛ والمهمأني لم أكن وقتها قادرًا على شرائه؛ ولم يكن في المكتبة سوى نسخة واحدة؛ فخشيتُ أن يأتيمَن يلتقط الكتاب؛ فأعدتُه إلى مدفنه، وغَمَرته بالمزيد من الكتب؛ ليبقى بعيدًا عن الأنظار؛ لكيينتظرني إلى حين تَوّفُّر القيمة عندي؛ وحين استلمتُ أول راتب شهري بعد التحاقي بالوظيفة؛أسرعتُ إلى المكتبة ونبشت الكتاب من مخبئة وعدت إلى السكن ماشيًا وكنتُ اتصفَّح الكتابوأنا أمشي في الطريق فلم أكن قادرًا على الانتظار إلى أن أصل مكان السكن.

وفور وصولي إلى السكن بدأتُ بقراءته بلهفةٍ، ومتعةٍ، ونشوةٍ؛ وكأنني أمام اكتشافٍ مذهل؛ فإذاهو يقول: ((تحوَّلَتْ أثينا إلى مكانِ اجتماعٍ للكثير من الرجال من مختلف الأجناس والعاداتوالمذاهب. وحملتْ خلافاتُـهم واتصالاتُهم ومنافساتُهم؛ إلى أثينا؛ التحليل، والفكر، والمقارنة؛حيث تبارت التقاليد وتطاحنت العقائد في هذا  الاختلاط المختلف)) ويضيف: ((عندما يقدَّم لناألفُ عقيدةٍ؛ يساورنا الشك في جميع هذه العقائد؛ إن تضارُبِـها يوَلِّد الشكَّ فيها جميعا))ويضيف: ((ربما كان التُّجَّار أول من أظهروا شكهم وريبتهم؛ فقد رأوا الكثير في أسفارهم، وتعذرعليهم الاعتقاد بـهذا الكثير، كما أن مَيل التجار العام إلى تقسيم الناس إلى حمقى أو أوغاد؛جعلهم يميلون إلى استجواب كل عقيدة، ومذهب، وبالتدريج؛ فقد تطوَّر هؤلاء التجار بالعلمفتطوَّر الحسابُ بزيادة تعقيد التبادل التجاري، وتطور الفلك بزيادة مخاطر الملاحة وقدَّمتالثروةُ المتزايدة، والراحةُ، والأمنُ، وغيرُها، من الأمور اللازمة في البحث والتأمل والفكر))ويضيف: ((لم يكتف الناس بالتطلع إلى النجوم والكواكب أن ترشدهم أثناء ركوب البحارولكنهم سألوها أيضا عن ألغاز الكون وكان أول الفلاسفة اليونان فلكيين فخورين بما أنجـزواوما وصلوا إليه))

وأُواصل قراءة الفصل الأول الذي أخذ شكل المقدمة رغم أن عنوانه كان عن (أفلاطون) لأجدهيقول: ((الفلاسفة اندفعوا إلى أبعد الحدود واستقدموا إلى بلادهم جميع أنواع المعرفة وبحثواأعظم الدراسات وحاولوا إيجاد تفسير للحوادث وبدأتْ الفلسفةُ)) هكذا أدركتُ أن الفكرالبشري قد شهد بانبثاق التفكير الفلسفي تحوُّلاً نوعيًّا؛ فالإشارة إلى بداية الفلسفة تعني أنناأمام مسار جديد للمعرفة مخالفٍ لكل ما عرفتْه البشريةُ. لقد تعرفت مبكرًا على آباء الفلسفة؛طاليس، وسقراط، وأفلاطون، وأرسطو، وفرنسيس بيكون، وديكارت، وسبينوزا، وفولتير، وكانط،وشوبنهاور، وهربرت سبنسر، ونتشه، وبرغسون، وكروتشه، وبرتراند راسل، وجورج سنتيانا،ووليم جيمس، وجون ديوي. كان لقاءً زاخرًا بالدهشة والروعة والمتعة والفرح الغامر بأروعالمباهج؛ مع أعظم العقول التي أنجبها الجنس البشري؛ وهو لقاءٌ فتح لي منابع المعرفةالموضوعية، وربطني بآفاق الفكر؛ في أروع تجلياته.

ولأنه أوَّل كتابٍ فلسفيٍّ؛ يقع في يدي؛ ولأنني مازلت في السنة الأولى من المرحلة الثانوية؛ فقدكان فرحي بالكتاب، واحتضاني له، وتشمُّمي لرائحته؛ عُرْسًا عقليًّا زاخرًا بالإثارة؛ لا يمكن أنأنساه؛ كنت مبهورًا، ومستثارًا، ومنفعلاً، وأشعر بابتهاج عظيم، وأدركت بأني قد دخلت في عالَمٍجديد؛ واعدٍ بمباهج معرفية زاخرةٍ بالتفتُّح والامتداد والتجدد والاستمرار؛ وأني قد أمسكتُبطرف الخيط الذي سيأخذني إلى عالم الفكر واكتشاف السر الذي تميَّزت به أوروبا؛ ومن هذهالنقطة المفصلية؛ بدأتُ رحلةَ الركض المتصل خلف عوالم المعارف الموضوعية التي هيأساسًا مشتقاتٌ فلسفية؛ وأعيد التذكير بأنني وقتها كنت موظفًّا ومنتسبًا للصف الأول منالمرحلة الثانوية، ولم أواصل الانتساب اقتناعًا بجدوى التعليم النظامي ولكني كنت مضطرًا منأجل الترقية الوظيفية؛ فالتعليم النظامي كما قال آينشتاين: يعطي وظيفة، أما التعلُّم الذاتيعن شغفٍ ورغبةٍ عارمةٍ فيبني عقلًا؛ لذلك أحسست بغبطة غامرة، وامتلأتُ بنشوةٍ معرفية؛ وأنامازلت في بداية كتاب (قصة الفلسفة) لأصل إلى قوله: ((كانت الفلسفة في البداية طبيعيةمادية، ونظرتْ إلى العالم المادي، وتساءلتْ عن أصل الأشياء النهائي؛ لكن التطور العظيمالخصيب في الفلسفة اليونانية؛ اتخذ شكلاً له في السفسطائيين، معلمي الحكمة المتجولينوالطوافين الذين وجَّهوا اهتمامهم إلى طبيعتهم وأفكارهم بدلاً من توجيهه إلى عالم الأشياء،وكانوا جميعا من أهل البـراعة والحذق؛ فمن النادر أن تجد مشكلةً أو حلاًّ في فلسفتنا الحاليةوالعقلية والمسلكية لم يتحققوا منه ويتناولونه بالبحث لقد وجَّهوا أسئلةً عن كل شيء، ووقفوابلا وجل أمام الممنوعات، وأخضعوا للعقل كل شيء))

إن مترجِم كتاب (قصة الفلسفة) المشعشع؛ لم يضع تقديماً للترجمة ثم عثرت على ترجمةأخرى للمفكر أحمد الشيباني ومن حسن الحظ أن تَرْجمته كانت عن طبعات لاحقة عن الأصلفي اللغة الإنجليزية؛ حيث أضاف ول ديورانت مقدمة ضافية. وكعادة الشيباني لترجماته؛ فقدوضَعَ للترجمة مقدمة أوضح فيها أن: ((ول ديورانت هو أول مؤلف أعطى الفلسفة نكهةًيستسيغها القارئ؛ فأسلوب ول ديورانت في هذا الكتاب هو أسلوبه في كتابه (قصة الحضارة)وإبداع المؤلف في هذا الإنجاز إنما يتمثل في بحثه لشتى الفلسفات من يونانية وأوربية بأسلوبٍطليٍّ؛ أسلوب ييسر حتى لطلاب الفلسفة؛ أن يجدوا في الفلسفة موضوعًا شائقًا وطليًّا لايستوجب ذلك المقدار من العبوس و التجهٌّم؛ فجعل من الفيلسوف وفلسفته وحدةً متكاملة؛فأشاع الحياة في المواضيع الفلسفية إذْ جعل كل فلسفة تنبض بحياة فيلسوفها وتنفعلبانفعالاته وتتفاعل مع مجتمعه. إن ول ديورانت قد أعطى الفلسفة في هذا الكتاب قلبًا ووجدانافالفيلسوف في هذا الكتاب هو إنسانٌ يبحث عن الحقيقة؛ بعقله، وقلبه، ويحب الحقيقة؛بعقله، وعاطفته، ووجدانه؛ وهذا هو السر في عظَمَة هذا الكتاب وجوهر إبداع ول ديورانتومؤلَّفه)) وحين تقدمت في قراءة الكتاب وجدت أن ول ديورانت يُحَذِّر القارئ من أن يظن أنهبقراءة كتابه قد استوعب الفلسفة ليؤكد: ((بأنه ليست هناك من طريق مختصَر إلى المعرفة))كما يؤكد أنه: ((بعد أربعين عامًا من البحث عن المعرفة يجدها لا تزال تسْتُر وجهها بقناعٍكثيفٍ، ويجد أن ما تُبديه من ذاتها؛ يُشيع في النفس أشد حالات التشوش والبلبلة)) إن الذييُصَرِّح بكل هذا التواضع؛ أمام اتساع المسؤولية، ومتطلبات التحقُّق؛ هو من أوسع المفكريناطلاعًا، وأشدهم تكريسًا لطاقته في البحث، وأكثرهم إنتاجًا في مجالات الفكر، وفي تاريخالأفكار، فقد تابَعَ تطورات كل الحضارات في مختلف العصور وعند كل الأمم ؛ ومَحَضَ الحقيقةَكامل طاقته؛ فأنتج وأجاد الإنتاج، وقدَّم أكثر العطاءات المعرفية ثراءً، وأعلاها قيمةً؛ فهو مؤلف(قصة الحضارة) التي تقع في (42) جزءًا وقد تمت ترجمة هذا الكتاب العظيم الضخم بمبادرةونفقة جامعة الدول العربية، حين كان أحمد أمين هو المسؤول عن (الإدارة الثقافية) بجامعةالدول العربية. وقد تولى المفكر الكبير الدكتور زكي نجيب محمود ترجمة الأجزاء الستة الأولىمن (قصة الحضارة) ثم قام الدكتور محمد بدران وآخرون بترجمة بقية الأجزاء التي بلغت (42)جزءًا فكانت هذه الترجمة من الإنجازات الثقافية الكبرى، وكانت مأثرةً عظيمةً لمن أسهموا فيالترجمة؛ فالكتاب ذخيرةٌ فلسفية وفكرية ومعرفية وأدبية وتاريخية وثقافية وحضارية عظيمة. إن كتاب (قصة الفلسفة) قد أخذني إلى كتاب ديورانت الضخم العظيم: (قصة الحضارة) إنإنتاج ول ديورانت قد قلَّص مجاعتي المعرفية؛ وفتح شهيتي للمعرفة ودفعني إلى مواصلةالركض خلف الكتب المترجَمة من مختلف اللغات.

ولديورانت كتاب آخر بعنوان (مباهج الفلسفة) في مجلدين وقد ترجمه الدكتور أحمد فؤادالأهواني وله كتاب آخر بعنوان (معنى الحياة) وهو من أقدم مؤلفاته وقد ترجمه كنان قرحالي. وله كتابٌ آخر شديد التركيز بعنوان (دروسُ التاريخ) وقد ترجمه الدكتور علي شلش وللكتابترجمة أخرى قام بها الدكتور يوسف ربيع وقد ترجمه بعنوان (دروسٌ من التاريخ) وكان ديورانتقد أشار إليه مبكرًا في قصة الحضارة وتمت الترجمة تحت عنوان (عِظات التاريخ) وهنا نرىكيف يختلف المترجمون في ترجمة عنوان كتاب فالدكتور زكي نجيب محمود تَرجم العنوان(عظات التاريخ) أما الدكتور علي شلش فتَرجم العنوان (دروسُ التاريخ) أما الدكتور يوسف ربيعفترجم العنوان (دروسٌ من التاريخ) فإذا كان المترجمون يختلفون كل هذه الاختلافات فيترجمة عنوان كتاب؛ فكيف ستكون اختلافاتهم في إدراك الوقائع بكل التباساتها، وكيف ستكوناختلافاتهم في ترجمة النصوص الطويلة الكبرى المعقدة، وكيف ستكون اختلافاتهم في فهمالواقع، وفي التعامل معه؛ إن هذا يجعلنا؛ ننظر إلى المواقف والاتجاهات والرؤى من مختلفالأطراف، ومن جميع الأفراد؛ بمزيد من المرونة، والتحفُّظ، واستحضار احتمالات الخطأ، وتوقعالضعف، وعدم استبعاد النقائص؛ فالاختلاف بين الناس هو الأصل أما التماثل فهو الاستثناء. إنشيوع الاختلافات بين العلماء والمفكرين والفلاسفة؛ حتى في الأمور الواضحة؛ يؤكد أن الناسحتى أرفع الناس تعليمًا، وأعظمهم إدراكًا؛ يختلفون على كل شيء؛ وهذا يقنعنا بصعوباتالتحقق، واستحالة التطابق التام. إن تلقائية الاختلاف، بل حتمية الاختلاف؛ بسبب اختلافالبنيات الذهنية؛ تستوجب أن يدرك الناس أن الاختلافات بين الناس هي الأصل وأن التوافقيتطلب جهدًا في التفهُّم والتنازل والتدقيق ومراجعة مسلمات الذات.

إن الاطلاع العميق المفصَّل؛ على التعارض الحاد بين الأنساق الثقافية التي تتوارثها الأمم،ومعرفة تعارض رؤى الأفراد داخل كل نسق؛ يعطينا ميزانًا شديد التحفظ، واسع المرونة؛ لتقييمالاختلافات؛ كما يجعلنا ندرك صعوبات التحقق في أي شأن. إن الدارسين يجتازون كل المراحلالتعليمية من دون أن يكون لديهم الإدراك الكافي لحتمية الاختلاف، وكيف أن اختلافات الناسفيها ثراء للأفكار لكنها من أهم أسباب النزاعات التي تصل إلى حد الاقتتال. إن الخلافات تنشببين العلماء ويبقون على خلافاتهم حيث لا يقتنع أي طرف بما انتهى إليه الطرف الآخر؛ إلى حدأن العالم الشهير ماكس بلانك، يؤكد أنه لا أمل بإقناع الجيل الذي تشبع بنظرية إلا بموت الجيلومجيء جيلٍ ينشأ على النظرية الجديدة. إن هذه من المسائل الكبرى لكنها لم تنل ما يكفي منالإدراك. وهنا أُوصي بقراءة كتاب (تناقض الرؤى) تأليف توماس سوويل؛ الذي يقول: ((قديتشوَّش الرأي العام؛ ويجد صعوبةً في فهم ما يجري؛ تحت ما يدعيه كل طرف)) ويقول: ((فيحال شبَّ النزاع بسبب التصورات المتعارضة؛ نجد أن الأطراف المعنية؛ التي يكون أصحابهامتحمسين جدا لتصوُّرٍ معيَّن؛ هم الأقل إدراكًا للافتراضات التي أمْلَتْ عليهم تَبَنِّي هذهالتصورات)) ويقول: ((لا يمكنني حصر وجود التصورات لدى المتعصبين لعقائدهم، وأصحابالإيديولوجيات الجامدة؛ فكل واحد منا؛ يحمل تصورات معيَّنة، ويمكن اعتبار التصورات؛ علىأنها العامل الصامت الذي تتشكل تحت تأثيره آراؤنا ومعتقداتنا الفكرية)) ويؤكد أننا نحنالبشر: ((نكون دائمًا على استعداد تام للتضحية بأي شيء من أجل تأكيد وإبراز صحة تصوراتنا؛نحن على أتم الاستعداد لبذل أي جهد، ودفع أي ثمن في سبيل تصوراتنا)) فالناس كما يرى؛ لايكونون أبدًا مستعدين لمراجعة تصوراتهم أو الاعتراف بخطأ اتجاهاتهم؛ وهذه من أكبر وأفظعالمعضلات البشرية، وأشدها استعصاءً على الإصلاح؛ فالعقل يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبقإليه؛ ولأن معظم الناس يجهلون هذه الحقيقة ويظلون أسرى للأسبق إلى قابلياتهم مهما كانتكل الحقائق مضادة، ويدافعون عن هذا الأسبق حتى الرمق الأخير؛ إن هذه هي أم المعضلاتعلى المستوى البشري بأجمعه.

وهنا تتأكد الأهمية العظيمة لمؤلفات ول ديورانت بوصفها؛ مرجعًا موسوعيًّا موثوقًا،فالاستفادة منه ستكون حتمًا عظيمة؛ فقد تَعمَّق في دراسة أسباب اختلافات الأمم، واطلع علىتعارض الرؤى؛ فاكتسب عقلا استثنائيا؛ ولم يَعُد يعطي أحدًا ثقةً مطلقةً؛ وإنما يتوقع الخطأ،والتحيُّز، والنقص، والهوى، من الكل فلا أحد معصومٌ من النقائص البشرية. إن ديورانتفيلسوفٌ يختلف عن كل الفلاسفة؛ بأنه لم يحصر عقله في المجال الفلسفي وإنما هو فيلسوفٌعميق التفكير، وباحثٌ مدققٌ ألزم نفسه بالاستقصاء، وأديبٌ يجيد استخدام اللغة بمهارة غيرعادية، ومؤرخٌ واسع الرؤية؛ إنه مع عقله الفلسفي العميق؛ موسوعيُّ المعرفة؛ فهو متنوعالمعارف، متعدد الاهتمامات، عميق الفهم، واسع الاطلاع، ومع كل ذلك هو أديبٌ مبدعٌ؛ يقدمأعمق الأفكار؛ بأسلوبٍ شيقٍ لذيذ، وعرض سهلٍ مشرق؛ لقد أمضى عمره كله الذي قارب المائةعام؛ في الدراسة والبحث والتأليف، لقد أمضى لإنجاز (قصة الحضارة) خمسين عامًا. لقدانغمس في تاريخ الحضارات، وتاريخ الفنون، وفلسفات الحياة، وآداب الأمم، وتعمق فيالأنساق الثقافية المتوارثة؛ بحثًا، ودراسةً، وتعمُّقًا، ومعالجةً؛ فهو لم ينشغل بأية وظيفة وإنماتفرَّغ للفهم والتعمق وكتابة ما توصل إليه فهو صاحب رسالة إنسانية؛ لم يكن يقرأ لمجردالاطلاع، بل كان يقرأ ليصل إلى الأعماق؛ من أجل أن يقدم نتائج دراساته للعالم في (قصةالفلسفة) وفي (قصة الحضارة) وفي (مباهج الفلسفة) وفي (دروس التاريخ) وفي مؤلفاتهالأخرى؛ فاكتسب رؤيةً واسعةً وعميقة؛ عن الإنسان، وعن الأنساق الثقافية المتوارثة، وعنعظماء الإنسانية، وعن الطبيعة البشرية، وعن الحضارات وعن الأمم.

إن ول ديورانت بعد أن قضى عمره في دراسة التراث البشري وتعمَّق في البحث والتدقيقوالفحص والمراجعة؛ وبعد أن أنجز كتابة أكثر من خمسين مجلدًا؛ عاد إلى مراجعة كل ما كتبه؛فقدَّم في آخر حياته خلاصات رؤيته في كتابه (دروسُ التاريخ) وفي كتابه (أبطالٌ من التاريخ) إنهيرى بأن طبيعة الرجل مضادة للتحضُّر؛ بل إنه يرى بأن الإنسان بشكل مطلق برجاله ونسائه؛مقاوم للحضارة؛ ولكن مرونة المرأة جعلتها أقرب لتقبل الحضارة من الرجل؛ إنه يرى بأن المرأةهي التي أسست الحضارة فالرجال كانوا صيَّادين فكانوا يقضون وقتهم متجولين يبحثون عنالطرائد أما النساء فكُنَّ يَبقين في أمكنة المبيت، لذلك فإن المرأة هي التي اكتشفت فكرةالزراعة فأدى ذلك إلى التحول الثاني في الحياة البشرية، حيث كفَّ الإنسان عن التجوال الدائمواستقر وتعلَّم أن يقيم لنفسه بيتًا؛ وهذا أعظم تحول طرأ على الحياة الإنسانية؛ سبَقَه ابتكاراللغة الذي كان أول ابتكار مفصلي عظيم.

إن المرأة هي التي دجَّنت الأغنام والكلاب والحمير. بل المرأة هي التي دجَّنت الرجل ذاتهوعلَّمته الاستقرار؛ فالرجل طبيعته تقاوم التمدن يقول ديورانت: ((طبيعة الإنسان تتحدىالحضارة كل يوم؛ فالإنسان ليس إلا واحدًا من ملايين الأنواع الحية؛ وهي كلها تتصارع من أجلالوجود، ويحكمها التنافس؛ إن الولع بالكسب، والميل إلى القتال، والاستجابة الجنسية الفورية؛كلها سماتٌ مميَّزة للإنسان)) ويرى ديورانت أن: ((المرأة هي التي طوَّرت الزراعة)) ويقول: ((تَمَدُّن الرجل جزئيٌّ فقط، وقد قوبل التحضُّر بممانعة شديدة منه. وبالتدريج أخذ الرجليتعلَّم من المرأة الخصال الاجتماعية: حُب الأسرة، والشفقة، والحنان، والرزانة والرصانة،والاستعداد للتعاون والنشاط الاجتماعي. وتَعيَّن هنا أن يعاد تعريف الفضيلة كخاصيَّة لابد منهالبقاء الجماعة؛ ومن هنا بدأت الحضارة)) فكأن المرأة هي التي خلقت القيم الاجتماعية وهيالتي كَوَّنت أخلاق المودة والتراحم. ويضيف ديورانت: ((الحضارة تعني صيرورة الناس مواطنينمتمدنين؛ يغدو الأفراد متمدنين متحضرين؛ عندما يأمنون على أنفسهم)) لكنه يؤكد بأنالطبيعة البشرية مقاومة للتحضر؛ ويرى بأن انتماء الأفراد لمجموعات مختلفة يجعلهمينحازون تلقائيًّا للمجموعة التي ينتمون إليها ضد كل المجموعات الأخرى فيقول: ((بدأ النزاعالعميق المتواصل ما بين الطبيعة والحضارة؛ ما بين الغرائز الفردانية المتجذرة عميقًا فيالإنسان؛ إبَّان مرحلة الصيد الطويلة، والميول الاجتماعية التي تكوَّنت لديه على نحو ضعيفبفعل الحياة المستقرة الحديثة العهد)) ويضيف: ((ولأن حماية المستوطنة؛ لا تتم إلا من خلالالاتحاد والتآزر في العمل؛ فقد صار التعاون بين الأفراد؛ أداةً للتنافس بين الجماعات)) فكلمزية بشرية تنشأ عنها نقيصة مضادة؛ فالتعاون بين أفراد أية مجموعة، يجعلهم بشكل تلقائيضد المجموعات الأخرى.        

وهكذا بعد البحث الممض، والاستقصاء المتعمق؛ تبدَّد انبهاري بالحضارة الغربية كليًّا؛ فإذاعُرِف السببُ بطَل العجب؛ فقد أدركتُ بأن التحولات الثقافية والعلمية والتقنية والعسكريةوالاجتماعية والسياسية التي حصلت في أوروبا؛ قد استغرق إنجازها قرونًا، وأن المخترعاتالباهرة لم تكن كذلك في بداياتها وإنما مرت بمراحل من الإخفاق والنجاح المبدئي ثم تواصلتالتحسينات لتصلنا بعد اكتمالها؛ وعلى سبيل المثال؛ فإن طائرة الأخوين رايت تختلف كليا عنالطائرة التي نراها اليوم، ومثلها السيارة، وهكذا بقية المخترعات الباهرة هي نتاج تعديلاتمتواصلة سرمدية؛ وأهم من ذلك كله أنها لم تتحقق طبقًا لرؤية جماعية مسبقة وإنما قدجاءت استجابةً لأحداثٍ قوية ضاغطة، ولم تتحقق بمعارف علمية كاشفة فارقة، ولا خطةمسبقة؛ وإنما جاءت على شكل فلتات فردية إبداعية خارقة تجمَّعت في النهاية لتصير على هذاالنحو الباهر. أما الأحداث المحرِّكة والضاغطة؛ فهي مثل الحصار التركي لأوروبا من الشرق،حيث لم يعد لدى أوروبا منفذ للتواصل والتعامل مع الأمم الأخرى؛ فاندفعتْ أوروبا تبحث عنمَخرج من هذا الحصار الخانق، ومثل رحلة ماركو بولو التي أججت خيال الأوروبيين عن الصينوعن الشرق عموما، ومثل اختراع المطبعة الذي أشاع المعرفة، ومثل فَتْح الأتراكللقسطنطينية الذي أخاف أوروبا وزلزل ركودها، وأدى إلى نزوح العلماء والفلاسفة منالقسطنطينية إلى أوروبا فأسهموا في تحريك الجمود الثقافي، ومثل اكتشاف كوبرنيكوس الذيزلزل الثوابت فأفاق الأوروبيون من سباتهم، ومثل انشقاق مارتن لوثر عن الكنيسة؛ أما العاملالأكبر في الزلزال الأوروبي فإنه جاء من نجاح مغامرة كولمبس؛ فهذه المغامرة فجَّرت طاقاتأوروبا؛ وفتحت لها أبواب المغامرات؛ فالإنجازات الأوروبية في الأصل كانت إنجازات عمليَّة ولمتكن إنجازات علميَّة؛ وكانت النجاحات الأولى اندفاعيَّة تمثلت في سلسلة من المغامراتالناجحة ولم تكن محكومة بخُطط أو رؤية، كما أنها لم تتحقق كطفرة وإنما استغرقت قرونًا منالاخفاقات والمحاولات والأخطاء.

بمعرفة حقائق مسيرة أوروبا نحو التحولات؛ تبدَّد الانبهار، وزال العَجَب، ولكن؛ بقى الإعجاب؛لقد كانت التحولات الأوروبية؛ نتاج عوامل تاريخية، وظروف موضوعية، كانت ستُنتِج نفسالنتائج في أية مجتمعات أخرى تتوافر لها نفس العوامل، وذات الظروف؛ ومثلما يقول عالمالانثروبولوجيا رالف لينتون في المجلد الأول من كتابه (شجرة الحضارة): ((إذا أردنا دراسةالتاريخ الحضاري وتَطوُّره؛ فيجب أن نُسَلِّم بأن كل الجماعات الإنسانية على قدم المساواة؛ فكلشيء يُشير إلى أن الاختلافات الموجودة؛ قد جاءت نتيجةً للحوادث والمصادفات التاريخية؛فالحضارة مجموعةٌ منظمة من الاستجابات. إن كل الحضارات قد مرت بنفس المراحلالمتعاقبة في تطورها)) بمثل هذا النص ونصوص أخرى كثيرة أدركتُ أن ما حققه الغرب منتحولات كان نتيجة لأحداث وظروف موضوعية قابلة بأن تؤتي نفس النتائج في أي مجتمع آخر. ومثلما يقول الفيلسوف ول ديورانت في الجزء الأول من (قصة الحضارة): ((ليست المدنيةالبريطانية؛ وليدة الإنسان الإنجليزي؛ بل هو صنيعتها؛ فلو تهيأتْ لجنسٍ بشريٍّ آخر نفسُالظروف المادية؛ لألفيتَ النتائج نفسها تتولد عنها؛ وها هي اليابان تُعيد تاريخ إنجلترا؛ فالمدنيةلا ترتبط بالجنس؛ إنها تجيء عادةً بعد مرحلة يتم فيها التزاوج البطيء بين شتى العناصر)) أماالمبدع هربرت جورج ويلز فإنه في كتابه (معالم تاريخ الإنسانية) وفي كتابه (موجز تاريخالعالم) ينبه إلى يقظة وفورة العقل الأوروبي فيقول: ((أثَّر نَشْرُ رحلات ماركو بولو؛ تأثيرًا عميقًافي الخيال الأوروبي؛ وبعد ذلك بقرنين اطلع على رحلات ماركو بولو كريستوفر كولمبس الذيتَصَوَّر خيالُه الألمعي؛ فكرةَ الإبحار غربًا؛ إلى بلاد الصين حول العالم؛ وكان للنجاح الذي لقيهكولمبس؛ فضل إثارة روح المغامرة البحرية إلى حد هائل؛ لقد انبجست على العقل الأوروبيأشياء كثيرة ضخمة، وأدرك الناس أن هذا العالم إنما هو شيء في متناول اليد تمامًا؛ فأقبلتالعقول بسرعة على دراسة الآداب الكلاسيكية اليونانية؛ فأخذت تداعب أفكار الناس بأحلامأفلاطون وبتقاليد عصر تفيأ ظلال الحرية والكرامة؛ وبفضل العثور من جديد على آداب اليونانالكلاسيكية؛ انفصلوا عن تلك التقاليد، وأخذوا يرقون الطريق ثانيةً إلى منزلة الصدارة الفكريةوالمادية بين البشر جميعًا)) إن نجاح مغامرة كولمبس قد أججت في الأوربيين روح المغامرةللانطلاق والاكتشاف والتحول.

أما موريس كروزيه وزملاؤه المؤرخون الفرنسيون؛ فإنهم في المجلد الرابع من كتابهم (تاريخالحضارات العام) يقولون: ((إن الأوروبيين ظلوا منعزلين حتى أواخر القرن الخامس عشر؛وفجأة شقُّوا عباب المحيطات الشاسعة، واتصلوا بالعالم؛ بدأت الاكتشافات الكبرى على أيديالبرتغاليين والإسبانيين؛ وما لبث الفرنسيون والانكليز والهولنديون أن حذو حذوهم)) لقدحصل تبدُّلٌ عند الأوروبيين في نظرتهم إلى الإنسان وقدراته ومكانته؛ فصار الإنجاز هو معيارالأهمية وشرط المكانة وكما يقول كروزيه وزملاؤه: ((فالذي يرفع من قيمة الإنسان، ويجعل لهشأنًا؛ هو نشاطه الخلاَّق وليس كرم الأصل الموروث، ولا شرف المحتد، ولا أمجاد الحروب)) أماالكتاب المرجعي الضخم (تاريخ العالم) للسير جون هامرتن؛ فإنه في المجلد الخامس يقول: ((كانت المدن الإيطالية الحرة هي الينبوع الذي تفجر منه المذهب الإنساني، والبيئة الملائمةلازدهاره، ومن المذهب الإنساني؛ انبثقت النهضة الأوروبية الحقة)) ويضيف: ((ظل الناسطوال العصور؛ ينظرون إلى الاستمتاع بالحياة؛ على أنها معصية مرذولة فلما أن تحوَّل مركزتفكيرهم؛ تَغيَّر معه كل شيء؛ شعُر الإنسان بوجوده، وأصبحت له القدرة على التمتع بالحياة،وتَوَلَّدتْ فيه ثقةٌ جديدة بنفسه، وجرأة جديدة في سلوكه)) وبهذه الثقة الطارئة انطلق الإنسانالأوروبي يغير ذاته ويغير العالم.

ويبين المؤرخ الفرنسي جان بيرنجيه وزملاؤه في المجلد الثاني من كتابهم (تاريخ أوروبا العام)كيف أن الحصار التركي لأوروبا قد اضطرها للبحث عن مَخْرَج فيقولون: ((بينما كان الوجهالشرقي من العالم المسيحي؛ الذي اجتاحته جحافل الأتراك؛ مهدِّدًا بالانهيار؛ كانت أوروبابالمقابل في الغرب؛ تفيض نشاطًا وحيوية؛ وقبل أن يصل القرن الخامس عشر إلى نهايته؛ كانتالضرورة تدعو البحَّارة والتجار إلى عبور الأطلسي، والدوران حول إفريقيا؛ بدأ عهد الاكتشافاتالكبرى؛ أي عهد المغامرة الرائعة التي لا يذكرها اليوم الأوروبيون إلا ويشعرون بنوع من العزةوالافتخار)) أما الفيلسوف أرنولد توينبي فإنه في كتابه الضخم (دراسة للتاريخ) ينبه إلى أنأوروبا بدأت نهضتها بتطوير السفن فحققت في ذلك تفوقًا على غيرها؛ وكانت أوروبا بهذهالعناية بتطوير السفن؛ تهيء لنفسها وسيلة للهروب من الهجمة التركية فيقول: ((تبدأ القصةبتعجيل فجائي يقلب الفنون رأسًا على عقب خلال الفترة من سنة 1440 إلى 1490 لم تهيءهذه الثورة التكنولوجية لمبدعيها منفذًا إلى جميع أركان العالم فقط بل إنها هيأت لهم كذلكتفوقًا على جميع الملاحين غير الغربيين الذين اصطدموا بهم)) ويضيف: ((خلال القرنالخامس عشر؛ حدث تغيُّر سريع خطير في بناء السفن؛ كان التحدي الذي استثار بناء السفنالغربية الحديثة في غضون نصف القرن سياسي الطابع؛ إذْ لم يقتصر فشل المسيحية الغربية؛بل لقد وجدتْ نفسها مهدَّدة؛ تهديدًا خطيرا بفعل الهجوم المضاد الذي شنه الأتراك؛ ومما زادموقف الغرب خطورةً؛ أن المجتمع المسيحي الغربي كان يشغل رأس أحد أشباه جزر القارةالأوراسية؛ وإن مجتمعًا هذا موضعه القلق؛ لابد أن يُلقى به في البحر بفعل قوى أشد بأسًا؛ إلاإذا عمل هذا المجتمع المحاصَر على تفادي الكارثة؛ فانطلق من طريقه المسدود إلى فجاجالأرض الواسعة)) هكذا تفجرت طاقات أوروبا بفعل الضغط والتهديد التركي الذي بلغ اندفاعهإلى محاصرة عاصمة الغرب آنذاك فينا.

أما البروفيسور جون نيف فيقول في الجزء الأول من كتابه (الحرب والتقدم البشري): ((تُعَدُّالفترة التي أعقبت رحلات كولمبس؛ ذات أهمية بالغة في تكوين الحضارة الصناعية الحديثة))ويقول: ((لقد أبدى الأوروبيون في القرن الخامس عشر اهتمامًا فاق اهتمام أسلافهم؛ بأحوالالإنسان، والحيوان، والطبيعة، والكون، وبكل ما يستثير حواس البصر، والسمع، واللمس،والشم، والتذوق. كما أن رغبة الإنسان الجامحة في سبر أغوار العالم؛ إرضاءً لهذه الحواس؛ قدجعل الناس يبحثون عن أشياء جديدة لإشباع حاجاتهم القديمة؛ وهكذا كان اكتشاف القارتينالأمريكيتين والمسالك المائية الجديدة المؤدية إلى الهند والصين؛ إحدى نتائج هذا الاهتمامالمتزايد بكشف كنه الطبيعة)) ويضيف: ((من المألوف أن نرى على مدى الأجيال الثلاثة التيتلت حرب المائة عام التي انتهت عام 1453 بوادر النمو الصناعي، والوفرة الهائلة في محصولالأرض والزيادة في الرخاء التجاري. لقد عم الخير الجديد القارة بأسرها)) ويضيف: ((إن معظمالبلدان الأوروبية؛ قد ساهمت في البعث المتجدد للتوسع الصناعي والنمو التجاري؛ الذي ابتدأفي أواخر القرن الخامس عشر؛ وجاء نتيجةَ عمليةِ الاكتشافات والاهتمام الجديد بالطبيعة))وينبه إلى أن اختراع البارود والمدفع؛ قد أحدث رجة في أوروبا فيقول: ((إن معظم الكُتَّاب؛ قدأصيبوا بالرعب وهم يرون فظاعةَ الاكتشافات التي ساعدت في ظهور عهد جديد من الدمار))ففي أوروبا كان القرن الخامس عشر، والقرن السادس عشر؛ زاخرَين بالغليان، والحركة،والترقب، والاندفاع، والمغامرة.

أما أستاذ التاريخ إيان موريس فإنه في كتابه (لماذا يهيمن الغرب؟!) يقول: ((إن أسباب الهيمنةالغربية؛ تكمن في التفاعل المتغيِّر بانتظام بين الجغرافيا والتطور الاجتماعي؛ ولكن الهيمنةالغربية لم تكن حتمية أو عَرَضِيَّة؛ ومن المنطقي تسميتها بأنها هيمنة محتملة، أو أنها النتيجةالأكثر احتمالا عبر معظم التاريخ، في لعبة قامت فيها الجغرافيا بترجيح الموازين لصالح الغرب. لذا يمكننا القول؛ بأن الهيمنة الغربية؛ كانت رهانًا رابحًا)) لقد تضافرت عوامل عديد دفعتأوروبا إلى التغير والتحول والانطلاق. إن تحولات الغرب قد صنعتْها ظروفٌ تاريخية كما صنعها؛قلة من الأفراد الخارقين؛ الذين يظهرون في مختلف المجتمعات فلا يُستجاب لهم. إن الازدهارفي الماضي والحاضر هو نتاج التكامل بين الريادة الفردية الخارقة والاستجابة الإيجابية الكافية؛إن شواهد التاريخ توضح أن التقدم الحضاري يتحقق بإبداعات القلة، ووجود سلطة سياسيةمستنيرة تَحْشد طاقة المجتمع، وتُنَظِّم المسيرة، في اتجاهٍ يحقق الفارق؛ أو يظهر في المجتمعرجال أعمال مخترعون من أمثال جيمس وات، ورتشارد آركرايت، وتوماس أديسون، وهنريفورد؛ فلابد أن تكون نشاطات المجتمع محتشدة ومستثمَرة في الاتجاه السليم، وبذلك تتضافرطاقة المجتمع فلا تتبدد، كالقطرات التي يتكون بها النهر؛ إن الأفراد المبدعين؛ يَظهرون في كلالمجتمعات؛ ويأتي فارقُ النتائج من فارق الاستجابة العامة للرواد؛ وقد برهنتُ على ذلك فيكتابي (الريادة والاستجابة) فعلى امتداد تاريخنا العربي ظهر مبدعون من أمثال ابن النفيسوابن الهيثم والرازي وابن سينا والكندي وابن رشد والمعري وطه حسين وزكي نجيب محمودوعبد الرحمن بدوي ومفكرين آخرين تكرر ظهورهم خلال التاريخ؛ لكن كل أولئك الرواد لميُستجَب لهم بل حوربوا ونُبِذوا ومن هنا يأتي الفارق الهائل.

وهكذا نرى أن مجموعةً من الظروف والأحداث الضاغطة؛ تضافرت في أوروبا عند نهاية العصورالوسطى فأحدثت قلقًا وجيشانًا وتحفُّزًا وتطلُّعًا في المجتمعات الأوروبية؛ فغيَّرتْ اتجاهحركتها، وبدَّلت رؤيتها لذاتها؛ فتغيرت اهتماماتها، واستعادت العناية بالفكر الفلسفي اليوناني،وطرأت على تفكيرها تطلعات ونشاطات لم تكن معروفة من قبل؛ وبذلك انفتحت لها الآفاق. إنما يجب أن ينتبه له الجميع هو أن المجتمعات محكومة بتصوراتها عن ذاتها كمجتمع وكأمة،ورؤيتها عن مهمتها في الحياة، وتصوراتها عن الإنسان الفرد، وما يجب عليه أن يفعله، وما لايصح له فعله؛ إن المجتمعات يتحدد اتجاه حركتها بالغايات التي تبرمجت بها؛ وهي تبقى علىما تبرمجت به حتى تتعرض لهزات تضطرها لتغيير اتجاه حركتها، وتغيير اهتماماتها. إن حركةالمجتمع كانسياب النهر ينتهي إلى غاية؛ فالإنسان الفرد بشكل عام حتى في أشد المجتمعاتتقدُّمًا وازدهارًا؛ وحتى الفرد الأعلى تعليمًا؛ ليس كائنًا عقلانيا بالمعنى الذي يَتَوَهَّمه الكثيرون، بلإن الأصل في الإنسان؛ أنه كائنٌ رغائبيٌّ وكائنٌ نَسَقيٌّ؛ فلكل مجتمع نسقٌ ثقافي يتوارثه تلقائيًّا عنأسلافه؛ فالأمم تتوارث أنساقًا ثقافية تَكَوَّنَتْ تاريخيًّا بشكل تلقائي؛ وظلت تتوارثها؛ حيث ينسابالنسق بشكل تلقائي من كل جيل سابق إلى كل جيل لاحق انسيابًا حتميًا تلقائيًّا؛ فعقْل كل فرد؛يُكَوِّنه ويحتله ويتحكم به الأسبق إليه؛ أي أن كل فرد محكومٌ بالنسق الثقافي الذي نشأ عليه،وتَبَرمَج به؛ فهو يكتسب من البيئة؛ اللغة، وطريقة التفكير، والعادات، والتصورات، والقيم،ومعايير القبول والرفض والانتماء؛ وتلك هي مُكَوِّنات العقل؛ إن النتائج المنطقية والطبيعيةلهذا التكوين؛ أن يهيمن الاجترار، والتكرار، فالنسق يهيمن على الجميع؛ لذلك؛ فإن الجمود،والدوران الأُفُقي، والمراوحة في نفس المكان؛ هي الأصل وهي الحالة الطبيعية للأفرادوالمجتمعات؛ فلا يتحقق التقدم لأي مجتمع؛ إلا بتجاوز حالةٍ عامةٍ سائدة؛ ولا يكون هذا التجاوزإلا باختراقٍ فرديٍّ، إبداعيٍّ رياديٍّ؛ يُستجاب له استجابةً إيجابيةً كافية. لكن الريادات الفرديةالإبداعية الفكرية؛ نادرة في كل العالم، وعلى امتداد التاريخ؛ ومع ذلك؛ فإن الإشكال ليس فيندرة الرواد؛ وإنما الريادات في مختلف المجتمعات وخلال التاريخ؛ كانت تُقمع، ويتم تهميشها،وحَجْب أفكارها، وتشويه سمعتها، وإسكاتها، لذلك فإنه على مستوى العالم؛ كان الجمودوالتكلُّس وانسداد الآفاق هو المهيمن. إن الانفكاك من الأسر والانطلاق نحو آفاقٍ أرحب؛ كان هوالاستثناء. إن عوامل كثيرة مواتية تضافرت فأدت إلى الفورة الأوروبية؛ فانطلقت وحدها شرقًاوغربًا في حركة استعمارية عدوانية، إن القوة تخلق المزيد من القوة؛ بينما الضعف يخلق مزيدًامن الضعف؛ لذلك تفردت أوروبا بافتراس الأمم الأخرى والعدوان عليها وارتكبت فظائع مثلإرغام الصينيين على السماح بتجارة الأفيون.

أما قبل ذلك فكما يحصل لكل المجتمعات حين يسود الرأي الواحد؛ فقد ظلت أوروبا خلالالقرون الوسطى؛ أكثر من عشرة قرون؛ أسيرةً لتحجُّر وتسلُّط الكنيسة، كانت المجتمعاتالأوروبية مستسلمة لذلك التحجر وكانت غارقة بالجمود والجهالة والاجترار وكانت الحياةشديدة الظلمة وكانت الأوضاع بالغة التردي والعفونة؛ كانت الكنيسة تفرض التحجر وتحميهوتبرره وتزينه؛ بمنتهى الانغلاق والوثوق والصلف والقسوة والعنف؛ ولكن مجموعة من العواملقد دفعت أوروبا إلى اليقظة؛ فأفاقت من سباتها الطويل الذي ران عليها خلال قرون الظلام؛ثارت على الكنيسة باسم العلمانية؛ ربما أن الضغط التركي قد أخاف الكنيسة فخفَّف قبضتها؛هذا مجرد احتمال لكن المهم؛ أن أوروبا استطاعت التنفس وتحررت من قبضة الكنيسة؛ لكنالعلمانية حين انتصرت ضاقت بمن يخالفونها، والعلمانيون أنفسهم مستويات، وتفرعات،واتجاهات؛ فالإنسان بطبيعته يكره ويحتقر ويستخف بمن يختلف عنه؛ فالغربيون بقوامتحيزين؛ فالإنسان بطبيعته كائن متحيز؛ كما أن الأوروبيين بقوا عدوانيين ضد الأمم الأخرى؛ إننقائص الإنسان تجعله إذا خرج من مأزق؛ دخل في مأزق آخر. وقد انبرى العالم الأمريكيالمعاصر تشالز تايلور في كتابه الضخم (عصرٌ علمانيٌّ) للدفاع عن حق الاختلاف فهو ذاتهعلماني لكنه ضد التحيزات ويريد من العلمانية أن تتخلى عن تحجُّرها وصلفها وأن تترك للناسحقهم في الاختلاف، حتى من يريدون أن يختاروا الإيمان. لكن ما يهمني هو أن تايلور يؤكد بأنالغرب خرج من مأزق وانتهى إلى مأزق من نوع مختلف؛ إن الغرب غارق في المآزق؛ إن أمريكاتتزعَّم الغرب، ودونالد ترامب؛ بكل جهله ورعونته وحماقاته؛ يرأس أمريكا وهذا شاهد صارخعلى قابلية البشر للانحدار السريع والتدهور المريع.

لكن تشالز تايلور يؤكد على ضرورة أن يبقى النقد مفتوحًا على كل الاتجاهات فيؤكد على: ((ضرورة وضع الفهم السائد؛ موضع تساؤلاتٍ جذرية)) إن العقل البشري شديد القابليةللتحجر والجمود إنه يستنيم للواقع؛ فلابد أن يبقى العقل في عنفوانه بوصفه فاعلية نقدية؛ بأنيتاح النقد، والنقد المضاد؛ لحماية التفكير من الجمود والتحجر؛ فالتساؤلات الجذرية قدأنتجت تحولات نوعية؛ فحررت طاقات الأفراد والمجتمعات؛ فأدت إلى: ((الانعتاق العظيم))ولكنها لم تؤد إلى الانفلات وإنما أدَّتْ إلى: ((نشأة المجتمع المنضبط)) فالانضباط من السماتالحضارية الأساسية المنتِجة؛ يقول تايلور: ((شهدت حضارتنا الغربية تحوُّلاً هائلاً؛ التحول فيغايات الوجود البشري، والتحول في كل مناحي المجتمع)) ويشير: ((إلى التحولات العميقة التيطرأت على وجهات النظر)) ويقول: ((التحول الحاسم؛ ظهور النزعة الإنسانية الحصرية كخيارٍمتاحٍ على نطاقٍ واسع)) ويقول: ((النزعة الإنسانية ميزت عصر النهضة، والثورة العلمية،وازدهار الدولة المدنية، وحركة الإصلاح الديني)) ويقول: ((أهم ما يميز حضارتنا اليوم؛ هوتراجع الأشكال المباشرة من اليقين)) ويقول: ((لقد دأبت جميع المجتمعات الغربية؛ علىالخروج من شكل النظام القديم في عصر التعبئة، وما بعده؛ إلى المأزق الذي تردَّينا فيه فيعصرنا الراهن)) ويقول: ((تتنازع حضارتنا؛ وجهتا نَظَرٍ مختلفتان: التحول والمحايثة)) ويقول: ((إن نتائج العلم ساهمتْ في عملية التحول؛ يقدم لنا العلم الحديث رؤيةً للكون تشكلهاالقوانين العامة)) ويقول: ((لقد كانت فكرةُ ترويض الطبيعة الأولية للأشياء؛ فكرةً حاسمةً؛ لأنهاتُبيِّن لنا أن صورة المثل الأعلى للمدنية؛ تستحثنا على تَبَنِّي موقفٍ يمكن أن نسميه؛ بإعادةتشكيل ذواتنا)) ويقول: ((مثَّل تطوير النظام المنضبط؛ العقلاني والأداتي؛ للمنفعة المتبادَلة؛منشأ هذا التحول؛ إن هذا التحول هو قلب وأصل العلمنة الحديثة)) لكن عقلانية الغرب هيعقلانية الرغائب والتمحور حول الذات والفعل والتمكُّن والسيطرة والعدوانية والقوةوالغطرسة والنبذ وليست عقلانية الحكمة، والتفهُّم، والعدل، والتآخي؛ لذلك كان تاريخها مليئًابالحروب الفظيعة المدمرة ومثلما يقول تايلور: ((إن الحرب تجربة مدمرة بشكل أعمق))ويقول: ((تعتبر الحرب بمنزلة أزمة حضارة؛ أي أنها تثير تساؤلات حول فكرة الحضارة)) إنكتاب (عصرٌ علماني) ليس دعوةً للعلمانية كما قد يتبادر من العنوان؛ وإنما هو في نحو ألفومائة صفحة؛ نداءٌ حارٌّ بأن تتسع الدنيا لكل الخيارات، وأن تتفهَّم العقول جميع الاتجاهات،وأن يتربى الناس على أن يتقبلوا الاختلافات كشيء طبيعي يعتادون عليه كما يعتادون علىشروق الشمس وغروبها.

إن علماء الغرب وفلاسفته والأدباء والفنانون؛ يواصلون نقد وتعرية سوءات الحضارة الغربية؛فشرور الإنسان لا تتقلص بامتلاكه المزيد من العلم والمعرفة والكفايات والقدرات؛ إن الانعتاقمن سطوة الكنيسة؛ قد فتح للغرب آفاق القوة، والتمكين، والازدهار؛ فخرجت أوروبا من نقائصالانغلاق والضعف والاستسلام للكنيسة ودخلت في نقائص الانفتاح المطلق، والتمكينالمنفلت، وغطرسة القوة؛ فالنقائص في الإنسان عميقة وتتوالد بمقدار تنوع نشاطاته؛فالقدرات في ذاتها ليست فضائل بل هي إمكان قد يُستخدم في الخير وقد يُستخدَم في الشر؛إن طبيعة الإنسان تجعله إلى الشر أمْيَل وإلى العدوان أقرب؛ حتى المعرفة الموضوعية التييتوهم الناس أنها خير مطلق؛ هي ليست كذلك بل تتحدد بطريقة استخدامها؛ فاندفاع الجموعقد يكون اندفاعًا عدوانيًّا؛ ومثلما يقول الفيلسوف الفرنسي، عضو الأكاديمية الفرنسية آلانفينكيلكروت في كتابه (هزيمة الفكر): ((لم يُرتَكب العنف النازي بدافع فردي، ولكن بدافعالواجب، ليس بدافع السادية، ولكن بدافع الفضيلة، ليس بدافع المتعة، ولكن بدافع المنهج،ليس من خلال إطلاق العنان للاندفاعات الوحشية والتخلي عن الضمير؛ ولكن باسم قِيَمٍ سامية؛من أجل الكفاءة المهنية والمهمة التي يتعين القيام بها بشكل ظاهر باستمرار)) رغم وفرةالأفكار والمعارف فإن الناس كما يقول تيودور أدورنو في كتابه (صناعة الثقافة): ((فالناسيقعون فريسة الخداع؛ إذا منحهم الخداع أكثر المسرات انفضاضًا. بل إنهم مع ذلك يريدونالخداع الذي يبدو لهم واضحًا، ويُجبِرون عيونهم على النظر وينطقون بالقبول؛ وهم يعرفونكل المعرفة بأنه خداعٌ)) ويقول زيغمونت باومان في كتابه (عالم الحداثة السائلة): ((هذاالعالم؛ عالمنا السائل الحديث؛ يظل يفاجئنا؛ فما يبدو مؤكَّدًا وملائمًا اليوم؛ قد يتراءى لنا غدًا؛عديم الجدوى، أو خياليًا أو خطأ مؤسفًا)) ليس هذا فقط بل يقول: ((لقد أصبحت كتلةالمعرفة مثالاً معاصرًا للفوضى وعدم النظام)) ويؤكد بأن الفظائع تُرتكب: ((عندما يتم إسكاتالاعتبارات الأخلاقية بشكلٍ فعَّال، ويتم القضاء على التعاطف، وإزالة الحواجز الأخلاقية)) إنأوروبا حين أفلتت من قبضة الكنيسة بقيت من دون روادع أو ضوابط أخلاقية؛ فأفكار الفلاسفةوتراث التنوير؛ هي منجزات عظيمة لكنها لم تؤثر عمليًّا في المجتمعات الأوروبية لذلك نجدالعالم الفرنسي برينو لاتور يؤلف كتابًا بعنوان (لم نكن حداثيين أبدا) فالعنوان وحده يعبربوضوح عن عمق المأساة. ويقول: ((إن كلمة حداثي؛ تشير إلى مجموعتين من الممارساتمختلفتين تماما)) ويقول: ((حياتنا الفكرية سيئة الصياغة بكل تأكيد)) وإذا كانت الحياةالفكرية سيئة؛ فإن الحياة الواقعية ستكون أشد سوءًا. ويقول المؤرخ هربرت فيشر في كتابه(أصول التاريخ الأوروبي الحديث): ((في غمرة النضال الطويل الذي أغرق أوروبا في بحر منالدماء؛ امتزجت أنبل الدوافع بأحطها واستحال التمييز بينها)) ويقول: ((سالت أنهار منالدماء، وتكوَّنت ألوان من المصالح، واستقرت ألوانٌ متضاربة من الولاء؛ ولم تهدأ الأحقاد؛ فظلكل فريق متحفزًا مستعدًّا للوثوب)) إن إصلاح الإنسان ما يزال حلمًا بعيدًا غاية البُعد عنالتحقق. إن العقل الفردي ليس أداةً للتحقق وإنما هو مجرَّد أداةٍ تَوَقُّعية محكومة بما تمالتطبُّع به؛ إن توقعات الفرد؛ تأتي استجابةً لمتطلبات حياته؛ في كفاحه من أجل البقاء، وفيصراعه وتنافسه مع الآخرين. أما التحقق فهو ليس من المهام الطبيعية للعقل. إن إدراك هذهالحقيقة عن العقل هو من أهم ما يجب أن يتربى عليه الناس في كل مكان؛ لكي يدركوه في وقتمبكر من حياتهم؛ ليواجهوا الواقع وهم يملكون هذه البصيرة. إن جهل الناس بطبيعة أدمغتهموجهلهم بالكيفية التي تكونت بها عقولهم، وجهلهم بالفاعلية السلبية للمعلومات الأسبق إذاكانت معلومات خاطئة؛ إنها تنتج ما لا نهاية له من المشاكل.

إن عقل الفرد في أي مجتمع هو نتاجٌ محليٌّ، بمعنى أنه تَكَوَّن تلقائيًّا بفاعلية البيئة؛ إنه مصاغٌومُكَوَّن بالنسق الثقافي الذي نشأ عليه وتَبَرمَج به؛ لذلك فإن عموم البشر في الغرب وفيالشرق؛ غير عقلانيين بالمعنى الشائع؛ إن الأنساق الثقافية المتوارثة هي التي تُكَوِّن عقول الأفرادعلى هذا النحو المتباين والمتنافر المشهود في العالم؛ لذلك فإن الناس حين يختلفون؛ فإنهذا الاختلاف هو الشيء المنطقي والطبيعي؛ أما التوافق فإنه يتطلب تَعَلُّم صعوبات التوافقوإدراك عمق وجاهزية أسباب الاختلاف؛ التوافق يتطلب التربية على التجرد والاخلاص والرغبةفي التوافق؛ وبذلَ طاقةٍ مضاعفةٍ للتفهُّم؛ فالأنساق الثقافية المتوارثة هي التي تتحكم بالعقلالبشري؛ في الغرب، وفي الشرق، في الماضي وفي الحاضر، قبل تعميم التعليم وبعد هذاالتعميم؛ قبل الطفرة الحضارية وبعد هذه الطفرة، قبل بزوغ الفكر الفلسفي وبعد هذا البزوغ،قبل نشأة العلوم التجريبية وبعد هذه النشأة. إن حتمية الاختلافات؛ ليست فقط بسبباختلافات الأنساق الثقافية، وإنما حتى داخل كل نسق ثقافي؛ فإن كل فرد له بنية ذهنية مخالفةلكل البنيات الذهنية لكل الآخرين، كما أن لكل فرد أنماطًا ذهنية تختلف عن الأنماط الذهنيةلأي شخص آخر. إن العقلانية في الغرب، وفي الشرق؛ في الماضي، وفي الحاضر، في المجتمعاتالمتخلفة وفي المجتمعات المزدهرة بل حتى في أشد المجتمعات ازدهارًا؛ هي عقلانية قوانين،ونُظُم، ودساتير ومؤسسات وتوازنات وليست عقلانية أفراد ولا عقلانية مجتمعات.

إن الإنسانية بما أنجزه وفَتَحَه الغرب قد حققت تطورات هائلة في العلوم والوسائل والنُّظموالمؤسسات لكنها لم تتقدم في الأخلاق بل بقيت أشد سوءًا مما كانت عليه خلال التاريخ؛فالتقارب بدلاً من أن ينمي الحس الإنساني، والتآخي بين الأمم؛ فإنه مع تقارب الأوطان، وتداخلالمصالح، ورسم الحدود بين الأوطان؛ تفاقمت الاختلافات، وتنوعت الصراعات، واشتدالتنافس؛ إن الفكر الفلسفي والعلوم لم تمازج منظومات التفكير المتوارثة؛ إن أشد البلدان نموًّاوتقدُّمًا وازدهارًا؛ لا تزال الأنساق الثقافية المتوارثة هي التي تتحكم بها وبعقول أفرادها،فالعقلانية، والموضوعية، والتفكير العلمي، والمثُل العليا، وكل ما نقرؤه عن تحولات الفكر،واختراقات العلم، وعظمة الرؤى؛ هي أشياء موجودة في الكتب فقط. وأقصى ما يمكن رؤيته منهذه الطموحات والآمال؛ في المجتمعات المزدهرة؛ أن تتجسد على شكل نُظُم، وقوانين،ودساتير، ومؤسسات، وتوازنات. إنها عقلانية تطبيقية، وليست عقلانية مجتمعات ولا عقلانيةأفراد؛ فالفكر الفلسفي قد تكوَّن على شكل ومضات فردية إبداعية وبقي فرديًّا حتى اليوم،والاختراقات العلمية أيضا قد جاءت على شكل اختراقات فردية: جاليليو، ونيوتن، وفراداي،وماكسويل، وماكس بلانك، وكالفن، وآينشتاين، ونيلز بور، وهايزنبيرغ، وأمثالهم من الأفرادالخارقين. أما جموع الخريجين من الجامعات في مختلف الأوطان فمهمتهم لا تتجاوز محاولةتطبيقات المعارف الجاهزة؛ إنهم يعملون ضُبَّاطًا، وطيارين، ومحامين، ومحاسبين، وقضاة،ومعلمين، وأطباء ومهندسين، وفيما لا حصر له من المجالات التطبيقية. وقد يعمل الخريج فيمجالٍ محدَّد من مجالات البحث العلمي، وهو هنا يختلف عن الاختراقات العلمية التأسيسية؛فالأصل في مثل هذا العمل أنه عملٌ تنفيذي. وتبقى بصدد كل الخريجين؛ معضلة الافتقار إلىمهارات الأداء، وغياب الولاء المهني؛ فالخريجون يأتون إلى مواقع العمل من دون أية مهاراتعملية؛ ويتوقف اكتسابهم للمهارات المهنية على الرغبة، والولاء للجهة، والمتعة بالإنجاز،والتلذذ بالأداء الجيد.        

علينا أن ندرك بأن الفكر الفلسفي، والعلوم الحديثة، وكل ما يبني الرُّشد المعرفي، ويحققالنضج الأخلاقي، ويتكفَّل بالوئام الإنساني؛ إن كل الحكمة، والوفرة الفكرية، والمعرفية؛ لم تؤثرتأثيرًا بنيويًّا في الانساق الثقافية المتوارثة؛ لا في الغرب، ولا في الشرق، ولا في أي مكان فيالعالم؛ لقد انحصر تأثيرها في الوسائل، وفي بناء قدرات التمكين؛ أما الإنسان الفرد فقد بقيغير عقلاني، وغير أخلاقي؛ إنه لا يهتم بتكوين ذاته معرفيا، وفكريا، وأخلاقيًّا؛ وإنما يركز على أنيكون منتِجًا، وصالحًا للتوظيف؛ ومثلما يشرح هربرت ماركيوز في كتابه (الإنسان ذو البُعْدالواحد) ويقول نتشه: ((يوجد عنصر تآكُل في كل شيء يميز الإنسان الحديث) ويقول اشبنجلر: ((لقد استسلمنا، وارتضينا حياةً ضائعة)) بل حتى المنظِّر للرأسمالية آدم سميث يقول في كتابه(ثروة الأمم): ((من الآثار السيئة؛ أن عقول البشر تضيق، وتصبح عاجزة عن السمو، وتنطفئالروح البطولية)) إن عقلية التنافس داخل المجتمع الواحد، تدمر الأخلاق، وتُفسِد العلاقات؛كما أن التدافع بين الأمم يستبقي الصراعات والحروب مشتعلة؛ فالتقدم كان تقدُّمًا ماديًّا. إنالأفراد في كل المجتمعات يهتمون بالنجاح الوظيفي وبالكسب المادي؛ أما إصلاح التفكيروتهذيب الأخلاق؛ فقد بقيا خارج الاهتمام؛ فما يزال العقل البشري تتحكم به الأنساق الثقافيةالمتوارثة، فبقيت العداوات التاريخية تؤجج الصراعات المدمرة في القرن الحادي والعشرين؛إن توقعات وتقديرات الإنسان في صراعاته تأتي ممعنة في الخيال والوهم والخطأ؛ فحيناندلعت الحرب بين روسيا، من جهة وأكرانيا ومعها حلف الناتو من الجهة المضادة، كانت روسياتقول بأن العملية لن تستغرق سوى أسبوعين، ولكن الحرب امتدت سنوات وما تزال من دونأي أُفُقٍ للتوقف أو الحل؛ إن أوهام الإنسان، وقصور نظره، وأطماعه، وأنانيته، وعدوانيته؛ تُسَهِّلله الدخول في الصراعات الدامية، وتدفعه إلى الحروب المدمرة، وتغريه بالإقدام على اقترافأخطر المغامرات التي تجلب أبشع الكوارث، ثم يتفاجأ بأن المهمة معقدة وشديدة التداخلوعصية على الإنجاز. إن أمريكا بكل جبروتها، ومعها إسرائيل بكل استعداداتها للحروب؛ تَوَهمتابأنه يمكن تدمير إيران وإرغامها على الاستسلام في ضربة قوية خاطفة؛ ولكنهما فوجئتا بما لميتوقعاه؛ فالشواهد لا نهاية لها على قصور نظر الإنسان، ووقوعه في مصيدة توقعاته الخاطئة.

إن الحياة البشرية تحمل من التناقض والنقائص ما لا حدود له؛ فالإنسان لا يشتد ذكاؤه وتتأججقدراته؛ إلا في الخصومة والعدوان؛ إنه كائنٌ أحمق وعدواني وأناني وأعمى البصيرة، ويسيءالتقدير إلى أبعد الحدود؛ لذلك فإن الحياة البشرية؛ مغمورة بالتعاسة، ومملوءة بالمعاناة،وغارقة بالشقاء، ومغموسة بالدم؛ تحاصرني مثل هذه الأفكار كلَّما رأيتُ أطفال غزَّة وهميُقصَفون بأقوى ما تمَّ اختراعه من آلات القتل والتدمير. ليس هذا فقط، بل مع أنهم مغمورونبالرعب، فإنهم يعانون البرد والعري والجوع، وعدم توفر الماء أو حتى مكانٍ لقضاء الحاجة. إنَّهوضعٌ فظيعٌ مرعب؛ وليس هذا سوى نموذج من مكابدات الحياة؛ لذلك يقول المبدع الفرنسيفلُبير: ((أن تكون غبيًّا وأنانيًّا وترفل بصحة جيدة: فتلك هي الشروط المطلوبة لتكون سعيدًا،لكن لو لم يتحقق الشرط الأول (الغباء)، فلن يتحقق شيء)) هكذا يرى المبدع الفرنسي فلوبيرأنَّ الشرط الأول لسعادة أي فرد في الدنيا هو أن يكون غبيًّا، لئلا يدرك عمق المأساة، ثم أن يكونأنانيًّا، لكنَّ الشرط الأساسي للسعادة هو الغباء. فاستمع لأخبار نزاعات العالم لتدرك صدق ذلك.

إقرأ التاريخ البشري، أو اقرأ عن المخترعات الفتاكة المدمرة وتأمَّل في الأرقام المهولةلميزانيات وزارات الحرب في العالم أو تأمل ما يجري في العالم، من حروب ومجاعاتوانتهاكات لتدرك صحة ما ذهب إليه فلُبير؛ أمريكا تخصص سنويًّا إثنين ترليون للحرب لكناتبخل أن تخصص ميزانية لصحة الإنسان الأمريكي؛ فالمرضى يموتون عند أبواب المشافي إذا لمتتوفر لديهم تكلفة العلاج؛ فالإنسان كما وصَفه ماكيافلي وتوماس هوبز وغيرهما؛ هو كائنٌ أنانيوعدواني وشرير وغبي وأرعن، ولا يردعه عن الشر والعدوان سوى الخوف؛ ولكن لوجود السلطةالرادعة؛ فإن العدوان يتخذ مسارات عديدة كاختلاق الشائعات، وتلفيق الأكاذيب، وتبادلالتنقص، والإمعان في السخرية، ومالا نهاية له من أساليب الإيذاء المعنوي والمادي. وكما يعبرالمبدع البريطاني وليم جولدنج الجائز على جائزة نوبل في الأدب عن الحضور التلقائي للشر؛فيقول: ((الإنسان شِرِّيرٌ حتى النخاع)) إن تاريخ الإنسان هو تاريخ الصراعات على كلالمستويات. لكن الإنسان بما ينضاف إليه؛ لذلك فإنه يمكن أن تباشَر قابلياته مبكرًا بما يجعلهقمةً في تفكيره وفي سلوكه وفي تعامله وقد أثبت ذلك علماء الأعصاب على النحو الذي عَرَضَهأنتوني وولش. وجوناثان دي بولن في كتابهما (بيولوجيا السلوك الإجرامي: تفاعل الجيناتوالمخ والثقافة) أما أستاذ الفلسفة ديفيد سميث فإنه في كتابه (صناعة الوحوش) يبين أنالتعبئة الثقافية هي التي ملأت الأرض بالعنف والسلوك الوحشي. أما العالمة كاثلين تايلورفتُعَرِّي الشرور البشرية التلقائية في كتابها (القسوة: شرور الإنسان، والعقل البشري) أما جوزيففورجاس وزميلاه فإنهم قد وصفوا (سيكولوجية الصراع الاجتماعي والعدوان) في كتاب هذاعنوانه. أما البروفيسور كليف هولين فإنه في كتابه (سيكولوجية العنف بين الأفراد) يقول: ((العنف جزء من حياتنا اليومية)) إن المكتبة تتلقى فيضًا من المؤلفات عن نقائص الإنسان،وعنفه، وتلقائية شروره؛ مثل كتاب (سيكولوجية الحماقة) لمجموعة من العلماء والمفكرين؛وفيه يقول: (( يتصرف الناس مثل الحمقى؛ إن الناس في معظم الأحيان؛ لا يُحَلِّلون بيئتهمبعمق قبل التصرف؛ إنهم يستخدمون إجراءات روتينية راسخة اعتادوا عليها؛ ينفذونها تلقائيَّا))ويقول: ((إن الحماقة تعيش عصرها الذهبي)) بعكس ما يتوهم البعض بأن التعليم قد أخرجالبشر من حماقاتهم. أما عالم النفس الشهير ديفيد باس فإنه يؤلف كتابًا بعنوان (القاتلبجوارك) ليؤكد بأن الدماغ البشري مصمَّم ليكون قاتلا. لكني أعتقد بأن الإنسان يولد بقابلياتفارغة وأنه يتبرمج ليكون قاتلا أو يتبرمج ليكون فيَّاضًا بالتآخي والرحمة والشفقة والسخاءوالحب والإحسان؛ فالإنسان بما ينضاف إليه.

ولكن المأساة أنَّه لكي يفعل الإنسان الشرَّ، فإن السلوك يفيض تلقائيًّا؛ لأنه تربى على أن الحياةمشحونة بالتنافس والصراع؛ فتكوين الإنسان النفسي، وتكوينه العصبي والجسدي؛ مبنيٌّ علىحب الذات والأنانية المحضة؛ فالإنسان مفطورٌ على حب ذاته، والتركيز على مصالحه؛والاستجابة للرغبات التلقائية المتقدة، والميل التلقائي إلى التنافس الجامح على الأهميةوالمكانة الاجتماعية؛ فهو يريد الاستحواذ بشراهة لا تعرف الشبع، وبامتداد لا يعرف الاكتفاء. والأسوأ من ذلك أنه لا يدرك ذلك عن ذاته؛ فلا يرتدع ذاتيًّا؛ لأنه يستحسن من ذاته كل فعل؛ ففيالكثير من الحالات؛ لا يدرك الشخص سوءات ما يقترف؛ ومن هنا تأتي الأهمية التأسيسيةللتربية الأخلاقية والمران الفكري؛ لكن المربي هو في الغالب يعاني نفس النقائص البنيوية التيتحويها الطبيعة البشرية؛ ففاقد الشيء لا يُعطيه؛ فبقيت البشرية تتوارث أفظع السلبيات؛فأهمية التربية والتعليم ليست بإعطاء معلومات متاحة بسهولة لمن يبحث عنها، بل مهمةالتربية ترويض الأنانية التلقائية وتعبئة القابليات بالقيم العليا؛ ليكون حب الخير والكف عنالشر سلوكًا عفويًّا، وليكون الالتزام بالموضوعية، والعدالة، والصدق، والتآخي؛ تلقائيًّا، وغرسالخير واللطف والشفقة والمحبة. إن الإنسان لكي يحرص على أن يلتزم بالحق، وأن يتحرَّىالصواب، وأن يفعل الخير، فإنَّ هذا لا يحصل تلقائيًّا، وإنَّما يتطلَّب التعود العميق أولاً علىالالتزام بهذه القيم العليا كما يتطلب العزم والتصميم والانتباه وتكرار المراجعة. إن طريق الشرغير محدَّد، بل هو مفتوح إلى أقصى حدٍّ، أما طريق الخير، فهو محدَّد، ولا يمكن السير فيه إلابالالتزام الصارم، والعزم الأكيد، والرغبة الصادقة، والتجرُّد النقي؛ فطريق الصواب واحد؛ لكن لانهاية لطرق الشر.

إن هذه الرؤية، وهذا الموقف من الحضارة الغربية، ومن الحضارة العربية، وعن العقل البشري،وعن العقلانية السائدة في العالم، وعن الإنسان، وعن الطبيعة البشرية بنقائصها التلقائيةالمتكاثرة؛ قد عَبَّرتُ عنها في حواراتي، وفي محاضراتي، وفي اللقاءات التلفزيونية وفي المقالات،وفي عدد من المؤلفات، لكن كما يحصل دائمًا مع كل الكُتَّاب والمؤلفين؛ فقد قيل بصدق: ((من ألَّف فقد استهدف)) والاستهداف قد يكون بسوء قصد، وقد يكون بسوء فهم؛ فالنقصمتوقع من المؤلف ومن القارئ ومثلما يقول العماد الاصفهاني: ((إني رأيت أنه لا يكتب إنسانٌكتابًا؛ في يومٍ إلا وقال في غده: لو غيَّرتُ هذا لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يُستحسَن، ولو قُدِّمهذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل؛ وهذا من أعظم العِبَر؛ وهو دليلُ استيلاء النقص علىجملة البشر)) لذلك لم يكن غريبًا أن يساء فهم أفكاري مهما بلغت من الوضوح؛ إن أفكاري لمتصل كما أردتها؛ وهذا ليس غريبًا؛ فسوء الفهم هو الأصل؛ بين المرسِل والمتلقي؛ إنه إشكالٌعامٌّ يعاني منه الكل، وليس خاصًّا بكاتب معيَّن؛ وإنما سوءُ الفهم هو الأصل؛ فلكل فرد بنيةذهنية مختلفةً عن كل البنيات الذهنية لكل الآخرين. كما أن لكل فرد أنماطٌ ذهنية تخصهوحده، وهي التي تحدد توقُّعاته، وتحدد رؤيته، وتحدد موقفه. ومن هنا يحصل التباين بينالكاتب والمتلقي لأن الناس يتلقون أفكار غيرهم، ويحكمون عليها من منظورهم هم وليس منمنظور صاحب الأفكار. وهذا أحد مكوِّنات فكرة موت المؤلف؛ فكأن كل قارئ يُكَوِّن لنفسه معنىًيختلف كثيرًا أو قليلا عما أراده الكُتَّاب والمؤلفون؛ وهذا بقدر ما أنه يوسع دائرة الفهم، إلا أنهيُحَمِّل الكاتب أو المؤلف مضمونًا لم يقصده، كما أنه يدل على صعوبة تبادل الأفكار، ويؤكدكثرة معوقات الفهم، فالأصل في الناس أنْ لا أحد يفهم الآخر كما تمامًا وإنما الناس يقيمونغيرهم بطريقة غير منصفة؛ لأنها تخضع للهوى والتنافس وسوء التقدير ولما لا نهاية له منالنقائص البشرية. 

إبراهيم البليهي

عضو مجلس الشورى سابقًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى