رغم ما شهده التعليم السعودي خلال السنوات الماضية من تحول مؤسسي واسع النطاق، وما تحقق من تطوير في السياسات والبرامج وأدوات الجودة والتقويم، ما تزال نتائج عدد من المؤشرات والاختبارات الوطنية والدولية تشير إلى أن نواتج التعلم لم ترتقِ بعد إلى مستوى الطموح الذي يعكس حجم الجهد والاستثمار المبذولين. وهذه ليست مفارقة سعودية فحسب، بل واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في إصلاح التعليم عالميًا: لماذا تستمر الفجوة بين حجم التحول ومستوى النتائج المتحققة؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أنه لم يعد مرتبطًا بغياب الرؤية أو نقص الموارد أو محدودية المبادرات. فالمملكة تمتلك اليوم رؤية واضحة للتعليم، واستثمرت بصورة غير مسبوقة في تطوير المنظومة التعليمية، وأطلقت برامج ومشروعات إصلاحية واسعة النطاق. ومع ذلك يبقى السؤال قائمًا: كيف يمكن التأكد من أن هذه الجهود تنعكس فعلًا على تعلم الطالب وجودة المخرجات؟
ما يميز الحالة السعودية أن هذه الفجوة لم تعد خفية أو محل تقدير شخصي. فقد نجحت المملكة خلال العقد الأخير في بناء واحدة من أكثر المنظومات الوطنية شمولًا في مجال ضمان وضبط جودة التعليم والتدريب. وطورت هيئة تقويم التعليم والتدريب النموذج السعودي لضمان وضبط جودة التعليم والتدريب، الذي وفر قاعدة معرفية وطنية غير مسبوقة حول أداء المنظومة التعليمية والتدريبية.
وقد عدّ برنامج تنمية القدرات البشرية في تقريره السنوي لعام 2025 هذا النموذج أحد الممكنات الوطنية الرئيسة لتحقيق مستهدفاته. وهذه الإشارة تحمل دلالة استراتيجية مهمة؛ إذ تعني أن جودة التعليم ونواتج التعلم لم تعد قضية تشغيلية تخص المؤسسات التعليمية فقط، بل أصبحت جزءًا من مشروع وطني يرتبط بتنمية رأس المال البشري والتنافسية الوطنية ومستقبل التنمية. وقد أتاح هذا النموذج إنتاج معرفة مؤسسية واسعة النطاق حول واقع التعليم والتدريب وأدائهما، الأمر الذي مكّن صانع القرار من رؤية الفجوات والتحديات بدرجة من الدقة لم تكن متاحة من قبل.
وتضم هذه المنظومة أكثر من 26 مليار نقطة بيانات، و3.5 مليون بطاقة أداء، وتغطي أداء أكثر من 1.3 مليون طالب وطالبة، إضافة إلى تقويم أكثر من 26 ألف مدرسة واعتماد ما يقارب 1500 برنامج أكاديمي ومؤسسي، لتصبح المملكة اليوم من أكثر الدول امتلاكًا للمعرفة المؤسسية المنظمة حول واقع التعليم والتدريب.
لكن القيمة الحقيقية لهذه المنظومة لا تكمن في حجم البيانات التي تنتجها، بل في قدرتها على كشف الفجوات بوضوح. فالمملكة لا تواجه اليوم أزمة معرفة بواقع التعليم، كما أن التحدي لم يعد في تشخيص مواقع القصور، بل في سرعة وفاعلية الاستجابة لها وتحويل نتائج التقويم إلى تحسين ملموس في نواتج التعلم.
وهنا تبرز القضية الجوهرية. فالمشهد الحالي لا يعكس فجوة في المعرفة بقدر ما يعكس فجوة في المحاسبية. فعندما تصبح الفجوات معروفة، والمؤشرات واضحة، ونتائج التقويم متاحة، فإن السؤال لم يعد: ماذا يحدث في التعليم؟ بل: ماذا فعلنا بما نعرفه؟ وما السياسات والبرامج والممارسات التي أخفقت في تحويل الجهد المبذول إلى تحسن ملموس في نواتج التعلم؟
فالقياس والتقويم يكشفان الفجوة، أما المساءلة فتبحث عن أسبابها وتفرض مراجعتها. ومن دون هذه الحلقة تتحول البيانات إلى معرفة متراكمة أكثر من كونها أداة للتغيير، وتتحول المؤشرات إلى وصف للواقع بدل أن تكون مدخلًا للتحسين.
ولا تعد هذه المفارقة أمرًا استثنائيًا في تجارب التحول الكبرى. فبناء القدرة على التقويم والتشخيص غالبًا ما يكون أسرع من بناء القدرة على تغيير الممارسة التعليمية. كما أن أثر السياسات والمناهج وبرامج التطوير المهني لا ينتقل إلى الطالب بصورة مباشرة، بل يمر عبر سلسلة معقدة من التفاعلات المؤسسية والمهنية داخل المدرسة وغرفة الصف. غير أن هذه الحقيقة لا تبرر تأجيل المراجعة، بل تجعل الحاجة إلى المساءلة أكثر إلحاحًا.
ولهذا فإن المحاسبية الحقيقية لا تتوقف عند السؤال: من المسؤول؟ بل تمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ما السياسات والبرامج والممارسات التي لم تُحدث الأثر المتوقع؟ فجوهر المحاسبية لا يكمن في تحديد الجهة المسؤولة فحسب، بل في ضمان خضوع القرارات والبرامج للمراجعة المستمرة في ضوء نتائجها الفعلية على تعلم الطلبة.
ومن هذا المنطلق لا ينبغي أن تُختزل المحاسبية في المدرسة أو المعلم أو قائد المدرسة. فالطالب لا يتأثر بجهة واحدة، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من السياسات العامة، وتمر بالمناهج، وبرامج التطوير المهني، والحوكمة، والتمويل، وتنتهي بالممارسات التعليمية داخل غرفة الصف. ولذلك فإن مساءلة النتائج تقتضي مراجعة جميع حلقات سلسلة القيمة التعليمية، لا الحلقة الأخيرة منها فقط.
فإذا كشفت نتائج التقويم استمرار ضعف مهارة أو مرحلة دراسية معينة، فإن السؤال لا ينبغي أن يتوقف عند المدرسة أو المعلم، بل يمتد إلى المناهج، وبرامج التطوير المهني، وآليات المتابعة، وجميع المكونات التي أسهمت في تشكيل تلك النتيجة. فالطالب ليس أحد مؤشرات الأداء في المنظومة، بل هو المؤشر النهائي الذي تُختبر عنده فاعلية جميع مكوناتها.
لقد نجحت المملكة في بناء النموذج السعودي لضمان وضبط جودة التعليم والتدريب، وأصبحت تمتلك قدرة غير مسبوقة على معرفة واقع التعليم وتشخيص تحدياته. أما السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة فهو ما إذا كانت هذه المعرفة ستبقى أداة للتشخيص، أم ستتحول إلى أساس للمساءلة والتحسين.
فلم تعد نتائج التعليم قضية قطاعية تخص جهة بعينها، بل أصبحت قضية وطنية ترتبط بمستقبل التنمية وبناء رأس المال البشري والتنافسية الوطنية. ولا يكفي أن نعرف أن النتائج دون مستوى الطموح؛ بل يجب أن نعرف لماذا، ومن المسؤول عن معالجتها، وكيف سيُقاس أثر المعالجات المتخذة. فهناك فقط تتحول نتائج التقويم من معرفة بالواقع إلى مسؤولية عن تغييره، ويتحول التحول التعليمي من جهد مؤسسي كبير إلى أثر ملموس في تعلم الطالب وجودة المخرجات.






