المقالات

قرارات بلا مبررات

قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق مثل قديم يضرب في خطورة وبشاعة قطع أرزاق الناس ، وهو لم يأتِ من فراغ، بل صاغته التجارب الإنسانية المريرة التي أثبتت أن تجفيف منابع العيش يعادل تماماً إزهاق الأرواح ، ولا يكاد يوجد في قاموس التعاملات الإنسانية مصطلح أشد وطأة على النفس البشرية من عبارة “انت مفصول”التي تختزل في طياتها انقطاع حبل الأمان، وتتهاوى مع كل حرف من حروفها جدران الاستقرار النفسي والاجتماعي لأسرة كاملة. فالعمل ليس مجرد ساعات تُقضى بمقابل مادي ، بل هو الكرامة، وهو الغد، وهو السقف الذي يحمي الإنسان من فواجع الزمن.

وقد أعادت حادثة وفاة موظف عند باب إحدى الشركات، بعد إنهاء علاقته الوظيفية، ملف القرارات الغير مبررة وما تخلفه من آثار نفسية واجتماعية واقتصادية. بغض النظر عن الملابسات الدقيقة للحادثة وما قد تنتهي إليه التحقيقات أو التقارير الرسمية، إلا إنها أصبحت رمزًا لحقيقة مؤلمة، وهي إن حالات الفصل غير المشروع ستبقى جرحًا لا يندمل، وستفتح أبوابًا واسعةً لكثير من التساؤلات حول إنسانية بيئة العمل، وحدود السلطة الإدارية، وحق الإنسان في أن يُعامل بكرامة حتى في أصعب لحظات حياته الوظيفية.لا سيما وأن خلف كل موظف التزامات، وأحلام، ومستقبل وأطفال ينتظرون عودة والدهم بلقمة العيش. وكذلك يطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تتحملها إدارات المؤسسات عند اتخاذ مثل هذه القرارات المصيرية التي تتعلق بحياة البشر ومعيشتهم.

ورغم ما أولته المملكة، بقيادتها الرشيدة، من اهتمام كبير بحماية حقوق العامل وصاحب العمل معًا، وأرست أنظمة وتشريعات تهدف إلى تحقيق العدالة والتوازن حيث يكفل نظام العمل في المملكة العربية السعودية للموظف الحماية الواضحة، ويحدد الحالات المشروعة التي يجوز فيها فصل الموظف،أو الحسم عليه من مرتبه وفق ضوابط وآليات دقيقة، إلا أن قضيا الفصل التعسفي لم تعد مجرد أرقام في ردهات المحاكم العمالية، أو شكاوى تُرفع خلف الأبواب المغلقة ، بل تجسدت مؤخراً في مأسي هزت الوجدان والضمير الإنساني في مختلف المدن ،فاصبحت الفجوة كبيرة بين ما ينص عليه القانون وما يمارس على أرض الواقع،فبات قطع لأرزاق، وتدمير ما بناه الموظف على مدار سنوات من أمان وظيفي واستقرار عائلي. يحدث عادة دون إشعار مسبق كافٍ، ودون إثبات ارتكاب الموظف لأي خطأ مهني مستغلين جهل الكثير من الموظفين لحقوقهم وخشية البعض منهم من خوض معارك قضائية طويلة مكلفة قد لا تُثمر إلا حسرة فوق حسرة .

وخزة قلم :
التعويض المالي مهما بلغت قيمته لا يمكنه رتق الشروخ النفسية، ولا إعادة نبض قلبٍ توقف قهراً على عتبة باب شركة.

عبدالرحمن العامري

تربوي - كاتب صحفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى