كتاب الرأي

«من يختار المستقبل… الطالب أم الفاصلة؟»

قد لا يفصل بين الطالب وتخصصه الجامعي الذي يحلم به سوى جزءٍ يسير من الدرجة، ومع ذلك قد يكون لهذا الجزء أثرٌ كبيرٌ في تحديد مساره القادم؛ فقد ينتقل بسببه من تخصصٍ إلى آخر، أو من جامعةٍ إلى جامعة. ومن هنا لا يعود السؤال: هل قُبِلَ الطالب في الجامعة؟ بل: هل قُبِلَ في المكان الذي يناسب قدراته وميوله وطموحاته؟

ماذا لو كانت فاصلةٌ رقميةٌ واحدة هي التي تفصل بين حلمِ الطالب ومقعدٍ طالَ انتظاره؟ وماذا لو كان ذلك المقعد بدايةَ سنواتٍ في تخصصٍ لا يشبهه؟ إن الفارق الذي يبدو صغيرًا في النسبة قد لا يكون صغيرًا في أثره، فقد يفتح أمام طالبٍ بابًا كان ينتظره، ويغلق أمام طالبٍ آخرَ بابًا ظلَّ يحلم به سنوات، لتتحول الأرقام في لحظة القبول من مجرد نتائج دراسية إلى عوامل ترسم جانبًا مهمًا من طريق المستقبل.

في بيتٍ هادئ، وفي ليلةٍ طال انتظارها، كانت أسرةٌ تجتمع حول شاشةٍ صغيرة، وتتجه أنظارُها إلى كلماتٍ قليلة ستحدد ملامح مرحلةٍ جديدة من حياة ابنها. كان الطالب ينتظر، وفي انتظارِه تختلط مشاعر الفرح بالقلق، فهو لا ينتظر مجرد نتيجةٍ تُخبره بأنه قُبِلَ في الجامعة، وإنما ينتظر جوابًا عن سنواتٍ من الجد والاجتهاد، وعن أحلامٍ رسم لها ملامحها منذ وقتٍ مبكر، كان يتخيل الجامعة التي يريدها، والتخصص الذي يميل إليه، والمجال الذي يرى نفسه قادرًا على أن يبدع فيه.

ثم ظهرت النتيجة، وانتهت لحظات الانتظار الطويلة في ثوانٍ معدودة، قُبِلَ في الجامعة، فتنفست الأسرة الصعداء، وارتفعت أصوات التهاني والدعوات، وشعر الجميع أن سنوات التعب قد أثمرت، وأن الطريق إلى المستقبل قد بدأ، غير أن فرحة القبول لم تكن نهاية الحكاية؛ إذْ بقي السؤال الأهم معلَّقًا: ماذا عن التخصص؟ وهل سيكون هذا القبول بوابةً إلى المجال الذي يحبه الطالب ويجيد فيه، أم أنه مجرد مقعدٍ جامعي سيضطر إلى الجلوس عليه؛ لأن فرصةً أخرى لم تتح له؟

وهنا تبدأ قصةٌ أخرى لا تظهر على شاشة القبول، قصةُ الطالب الذي يدرس تخصصًا لم يختره، والأسرة التي تخشى ضياع فرصة القبول، وسنواتٍ جامعية قد تمضي بين محاولة التكيف والبحث عن الذات.

وقد لا تقف آثار الفاصلة الرقمية عند حدود التخصص، فقد تدفع بالطالب إلى جامعةٍ بعيدة عن مدينته، وربما تضطر أسرته إلى الانتقال أو تحمّل أعباء إضافية لمجرد اللحاق بمقعدٍ جامعي، ومع البعد عن الأسرة، وما قد يصاحبه من صعوبات السكن والاستقرار، قد يتأثر تركيز الطالب واستقراره وتحصيله الدراسي، فتضعف بذلك تجربته التعليمية، وتتراجع جودة تعلّمه.

في هذه اللحظة تصبح «الفاصلة» أكثر من مجرد رقمٍ في نسبة قبول، فقد تكون فاصلةً بين تخصصٍ وآخر، وبين رغبةٍ وأخرى، وربما بين مستقبلٍ يشعر فيه الطالب بأنه في مكانه الصحيح، ومستقبلٍ يقضي فيه سنواته، محاولًا أن يستعيد فيه ذاته.

إن اختيار التخصص الجامعي خطوةٌ ترسم جانبًا مهمًا من مستقبل الطالب، وتفتح أمامه طريقًا مهنيًا قد يمتد معه سنواتٍ طويلة؛ لذلك لا ينبغي أن تختزل النسبة هذا الاختيار، فالطالب ليس مجرد رقمٍ في قائمة قبول، وإنما هو شخصيةٌ لها قدراتٌ، وميولٌ، وشغفٌ، وطموحات.

وهنا تتجلى مسؤولية الأسرة؛ فالمهم ليس أن يبلغ ابنها نسبةً تؤهله للقبول فحسب، بل أن يجد التخصص الذي يناسب قدراته وميوله، ويكتشف فيه ذاته، ويستطيع من خلاله أن يبدع ويصنع مستقبله.

ولا تقلُّ مسؤولية الطالب عن مسؤولية الأسرة؛ فاختيار التخصص لا ينبغي أن يبدأ عند ظهور نتيجة القبول، بل قبل ذلك بوقتٍ طويل، وينبغي على الطالب أن يسأل نفسه: ما الذي أجيده؟ وما الذي أستمتع بتعلّمه؟ وما المهارات التي أمتلكها؟ وما المجال الذي أستطيع أن أقدّم فيه شيئًا حقيقيًا؟ فمعرفة الذات ليست ترفًا في مرحلة الاختيار، بل هي إحدى أهم الخطوات التي تساعده على اتخاذ قرارٍ أكثر وعيًا، وتجنّبه أن يجعل من ارتفاع نسبة القبول أو انخفاضها معيارًا وحيدًا لقيمة التخصص أو ملاءمته له.

فليس كل تخصصٍ مرتفعِ المعيار مناسبًا لكل طالب، كما أن انخفاض نسبة القبول في تخصصٍ ما لا يعني انخفاض قيمته أو مكانته؛ فقد يكون التخصص الذي ينسجم مع قدرات الطالب وشغفه هو الطريق الأفضل أمامه للنجاح والإبداع.

إن المشكلة ليست في «الفاصلة» بذاتها، فالدرجات والمعايير أدواتٌ مهمة لتنظيم القبول وتحقيق العدالة، وإنما المشكلة حين تصبح الفاصلة أعلى من صوت الطالب نفسه.

ولعلنا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم «الفاصلة»، لا بإلغاء المعايير أو تجاوز العدالة في القبول، وإنما بألا تكون الفاصلة الرقمية وحدها هي الحاكم المطلق لمستقبل الطالب؛ فحين تتقارب النسب عند حدود القبول، ولا سيما في الأجزاء العشرية، يمكن أن تُتاح للطلاب فرصةٌ أخرى من خلال مقابلات شخصية أو اختبارات إضافية تقيس قدراتهم واستعدادهم للتخصص، فقد يكون الطالب الذي تقل نسبته بفارقٍ يسير أكثرَ قدرةً على النجاح والإبداع في تخصصٍ معين، ومنح هؤلاء الطلاب فرصةً لإظهار قدراتهم قد يكشف عن طلابٍ أَكْفَاء حُجبت عنهم فرصة المقعد الجامعي بسبب فاصلةٍ رقمية، ويجعل قرار القبول أكثر إنصافًا، وأقرب إلى وضع الطالب في المكان الذي يناسب قدراته وميوله وطموحاته.

وليست الخسارة أن يفقد الطالب مقعدًا جامعيًا، فربما تعوّضه الأيام بفرصةٍ أخرى، إنما الخسارة الحقيقية أن يحصل على المقعد ثم يفقد معه شغفه، ويمضي في تخصصٍ لا يمثله، وطريقٍ لم يختره، حتى يجد نفسه في مستقبلٍ لم يكن يومًا حلمه، وهنا يصبح السؤال الأعمق: من يختار المستقبل: الطالب بقدراته وميوله وطموحاته، أم الفاصلة التي تحدد له وجهته؟

إن وضعَ الطالب في المكان الذي يناسبه لا يمنحه فرصةً للنجاح فحسب، بل يفتح أمامه مجالًا واسعًا للعطاء والإبداع، ويجعله أكثر قدرةً على أن يكون عنصرًا فعَّالًا في مجتمعه.

فالمستقبل الذي يستحقه الطالب ليس الذي تحدده فاصلةٌ رقمية فحسب، ولا الذي يُقاس بمقعدٍ جامعي، وإنما هو المستقبل الذي يجد فيه نفسه، وتلتقي فيه قدراته بميوله وطموحاته، ويشعر فيه أن ما يدرسه امتدادٌ لما يحبه ويجيده. فحين يوضع الطالب في المكان المناسب، يصبح القبول بدايةً لمسيرةٍ من التعلم والإنجاز، ويغدو التخصص مجالًا لاكتشاف طاقاته وتحويل شغفه إلى عملٍ وإبداع، وتصبح النسبة وسيلةً للإنصاف، لا حاجزًا أمام الطموح؛ فالفاصلة قد تحدد رقمًا في ورقة القبول، لكنها لا ينبغي أن تحدد وحدها مستقبل إنسان، لأن المستقبل الأجمل هو الذي يلتقي فيه الطموح بالقدرة، والاختيار بالموهبة، والتخصص بالشغف، ليجد الطالب نفسه في مجاله، ويبدع في عمله، ويكون إضافةً حقيقيةً لمسيرة التنمية التي تشهدها المملكة في ظل رؤية 2030.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى