كتاب الرأي

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف النفوذ العالمي؟

اقتصاد البيانات اليوم يعد أحد أبرز مظاهر القوة الاقتصادية الناعمة في عصر الذكاء الاصطناعي. ففي السابق كانت القوة الناعمة تقاس بمدى تأثير الثقافة والإعلام والدبلوماسية في جذب الآخرين، أما الآن فمعادلة التأثير تغيرت جذرياً. أصبحت الدول والمنظمات التي تمتلك بيانات وفيرة وقادرة على تحويلها إلى معرفة وقرارات وخدمات هي الأكثر جاذبية وتأثيراً. فحين تقدم دولة بنية تحتية رقمية موثوقة، وأنظمة ذكاء اصطناعي تخدم الصحة والتعليم والنقل والمال، فإن العالم ينجذب إليها طواعية لا إكراهاً، ويتبنى معاييرها وأدواتها لأنها الأكفأ.

الذكاء الاصطناعي ضاعف من قيمة هذه القوة لأنه لا يعمل في فراغ، حيث أنه يتغذى على البيانات. وكلما كانت البيانات أوسع وأدق وأكثر تنوعاً، كانت النماذج أذكى والخدمات أذكى، وبالتالي زادت قدرة الدولة على تشكيل تجربة الإنسان اليومية وعلى صياغة مفاهيم جديدة للتنمية والحوكمة. وبهذا تتحول البيانات من مجرد مورد إلى أداة نفوذ اقتصادي وثقافي ومعرفي.

الأرقام تؤكد هذا التحول. بلغ حجم سوق الذكاء الاصطناعي العالمي نحو 294.16 مليار دولار في 2025، ويتوقع أن يصل إلى 1.77 تريليون دولار بحلول 2032 بمعدل نمو سنوي مركب 29.2%. كما نمت قيمة سوق مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى 13.67 مليار دولار في 2024 ومن المتوقع أن تصل إلى 78.91 مليار دولار بحلول 2032 بنمو 24.5% سنوياً، وهو ما يعكس سباق الدول على بناء البنية التحتية التي تستوعب أحمال الذكاء الاصطناعي.

وقد بدأت ملامح هذه القوة الناعمة تظهر في الواقع. في الولايات المتحدة ارتفع الإنفاق على الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي بأكثر من 140% سنوياً في 2024 و2025، فيما نما الناتج المعدل للذكاء الاصطناعي بأكثر من 2500% خلال العامين ذاتهما وفق تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي. وعلى مستوى الشركات، أظهرت دراسات ماكنزي لعام 2024 أن الشركات الرائدة في تبني الذكاء الاصطناعي أكثر احتمالاً بـ 1.6 مرة للإبلاغ عن نمو إيرادات يتجاوز 10% مقارنة بالمتأخرين، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالطلب يخفض تكاليف المخزون بنسبة 15% إلى 35%. 03151958

على المستوى الحكومي، تكمن القوة الناعمة في القدرة على جذب الاستثمارات والمواهب وتصدير النموذج. حيث أعلنت وزارة الطاقة الأمريكية في يوليو 2025 عن أربعة مواقع اتحادية لاستضافة مراكز بيانات متقدمة للذكاء الاصطناعي مدمجة مع طاقة نظيفة، في حين أطلق تحالف OpenAI وOracle وSoftBank مشروع “ستارغيت” باستثمار 500 مليار دولار لإضافة 4.5 جيجاوات من قدرات مراكز البيانات. وفي المقابل، تشير بيانات مايكروسوفت إلى أن نحو واحد من كل ستة أشخاص حول العالم يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي الآن، مع فجوة واضحة في التبني بين دول الشمال بنسبة 24.7% ودول الجنوب بنسبة 14.1%، مما يعز موقع الدول المبكرة في رسم معايير الاستخدام. d1e6

الأمثلة لا تقتصر على البنية التحتية. حيث في القطاع المالي، أفادت إحصائية أن 88% من شركات الخدمات المالية حققت زيادة في الإيرادات بفضل تبني الذكاء الاصطناعي. وفي الصحة يتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي الصحي 17 ضعفاً خلال هذا العقد. وحتى في الإنتاجية اليومية، أفاد الموظفون المستخدمون للذكاء الاصطناعي بتحسن 80% في إنتاجيتهم اليومية، ووصل متوسط العائد على الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إلى 3.70 دولار مقابل كل دولار مستثمر. 1958

ولهذا السبب نرى أن الاستثمار في اقتصاد البيانات هو استثمار استراتيجي في السيادة والجاذبية. فالدولة التي تبني منظومة متكاملة من الحوكمة والكفاءات ومراكز البيانات والابتكار تصبح مركز جذب للاستثمارات والمواهب، وتصدر نموذجها للعالم كما كانت تصدر من قبل منتجاتها الثقافية. وهذا ما يفسر حجم الإنفاق العالمي المتوقع على الذكاء الاصطناعي ليصل إلى 307 مليارات دولار في 2025، ويرتفع إلى 632 مليار دولار بحلول 2028.

اليوم ونحن في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد القوة تقاس فقط بما نملكه من موارد مادية، حيث تقاس بما نملكه من بيانات وما نستطيع أن نفعله بها. ومن هنا يصبح اقتصاد البيانات قوة ناعمة حقيقية، تصنع التأثير، وترسم المستقبل، وتعيد تعريف موازين النفوذ العالمي. اقتصاد البيانات هو وقود الذكاء الاصطناعي وهو المستقبل القادم، وعلينا المبادرة اليوم ببناء القدرات والحوكمة والشراكات الاستراتيجية مع بيوت الخبرة ومراكز الدراسات الأستراتيجية لكي نكون في مقدمة الركب، لا متلقين لمعايير يضعها غيرنا.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى