المقالات

الرقمنة بين الاقتصاد والسيادة!

لم تعد الرقمنة خياراً إضافياً للدول، أصبحت شريان الاقتصاد الجديد وميدان السيادة في القرن الحادي والعشرين. فكل معاملة بنكية، وكل سجل صحي، وكل صفقة تجارية تمر اليوم عبر خوادم وسحب بيانات قد لا تكون داخل حدود الدولة نفسها. وهنا يبرز السؤال الذي يؤرق صناع القرار.. كيف نحقق النمو الاقتصادي عبر التحول الرقمي ونصون في الوقت نفسه بياناتنا وقراراتنا من التبعية لشركات ودول أخرى؟

إنها معادلة دقيقة تقع بين وعد الازدهار وخطر التبعية، بين اقتصاد مفتوح على العالم وسيادة وطنية يجب أن تصان. فالعالم اليوم لا يسأل إن كنا سنتحول رقمياً، وإنما يسأل بأي شروط وأي ثمن.

الوجه الاقتصادي للرقمنة واضح في كل الأرقام. وفقاً لتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2024، من المتوقع أن تضيف الاقتصادات الرقمية 30 تريليون دولار إلى الناتج العالمي بحلول 2030. وفي المنطقة العربية، قدّرت لجنة الإسكوا أن الاقتصاد الرقمي يمكن أن يسهم بما يصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية بحلول 2027 إذا تسارعت وتيرة التحول والاستثمار في البنية التحتية. على المستوى الوطني، تستهدف رؤية المملكة 2030 أن يسهم الاقتصاد الرقمي 19.2% من الناتج المحلي بحلول 2030، وقد قفز حجم سوق تقنية المعلومات في المملكة إلى أكثر من 50 مليار دولار في 2024 وفق بيانات هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية. هذه الأرقام تعني وظائف جديدة، وخدمات أسرع، وقطاعات ناشئة من التجارة الإلكترونية إلى الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا النمو يقابله تحدٍ من نوع آخر يتعلق بالسيادة. البيانات اليوم هي الأصل الاستراتيجي الأهم، ومن يملك البيانات والبنية التحتية يملك القدرة على التأثير. أغلب الخدمات السحابية التي تعتمد عليها الحكومات والشركات الكبرى تتركز لدى عدد محدود من الشركات العالمية، وأكثر من 60% من حركة الإنترنت الدولية تمر عبر كابلات ومراكز بيانات تقع خارج نطاق العديد من الدول. هذا الواقع يضع الدول أمام معضلة، فهي تسعى لاقتصاد رقمي منفتح وجاذب للاستثمار، وفي الوقت نفسه تخشى فقدان القدرة على حماية بيانات المواطنين أو تنظيم المنصات أو فرض سياسات ضريبية عادلة.

من هنا برز مفهوم “السيادة الرقمية” في مقالنا هذا كإجابة عملية. الاتحاد الأوروبي تبنى “قانون الأسواق الرقمية” و”قانون الخدمات الرقمية” في 2022 واشترط معايير صارمة لتخزين بيانات الأوروبيين داخل أوروبا. الصين اختارت مساراً مختلفاً ببناء بيئة رقمية وطنية شبه مغلقة ومنصات محلية. في منطقتنا، أطلقت المملكة “الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي” وأنشأت المركز الوطني للسحابة الحكومية “ديما” لنقل بيانات الجهات الحكومية إلى بيئة سحابية محلية مؤمنة. الإمارات كذلك أطلقت “استراتيجية الإمارات للبيانات 2024” بهدف تحويل البيانات إلى أصل وطني داعم للقرار. حتى الهند قدمت نموذجاً لافتاً عبر نظام “آدهار” للهوية الرقمية الذي خدم أكثر من 1.3 مليار مواطن وحقق شمولاً مالياً واسعاً مع الإبقاء على إدارة وطنية للنظام.

يتضح أن المطلوب ليس الاختيار بين الاقتصاد والسيادة، المطلوب صناعة توازن بينهما. دولة تتجاهل الرقمنة تخسر فرص النمو وتتأخر في التنافسية. ودولة تفتح كل الأبواب بلا ضوابط تخاطر بقرارها الوطني. المسار السليم يقوم على ثلاثة أركان متكاملة: بناء بنية تحتية رقمية وطنية موثوقة، وتشريعات مرنة تحمي الخصوصية وتشجع الابتكار، وتأهيل كوادر وطنية قادرة على التطوير لا الاكتفاء بالاستهلاك. بهذه الطريقة تستطيع الدولة الاستفادة من الاقتصاد الرقمي العالمي مع الاحتفاظ بقدرتها على التشريع والرقابة وحماية الأمن القومي.

الرقمنة قرار سياسي واقتصادي قبل أن تكون قراراً تقنياً. الدول التي ستصيغ مستقبلها في العقد القادم هي التي ستفهم أن الاقتصاد الرقمي بلا سيادة يتحول إلى استهلاك، وأن السيادة بلا اقتصاد رقمي تتحول إلى عزلة. نحتاج إلى “سيادة تمكينية” تفتح المجال للاستثمار والتعاون الدولي، لكن من خلال بوابة وطنية تحكمها القوانين والكفاءات والبنية المحلية. في عالم تتحرك فيه البيانات أسرع من الطائرات، لم تعد حدود الأوطان خطوطاً على الخرائط فقط، صارت أيضاً سيرفرات وتشريعات وعقول. ومن يحسم معادلة “الرقمنة بين الاقتصاد والسيادة” مبكراً، هو من سيمتلك القدرة على كتابة قواعد اللعبة بدلاً من الالتزام بقواعد الآخرين.

د. علي محمد الحازمي

خبير وباحث اقتصادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى